//Put this in the section

أديب يُنجز التشكيلة الحكومية وضغوط للتأليف… و”العقوبات” تعصف بـ”الثنائي الشيعي” وباسيل!

ابراهيم حيدر – النهار

الثابت أن العقوبات الأميركية الاخيرة قد انعكست على مفاوضات تأليف الحكومة. الامور أخذت أبعاداً مختلفة تمثلت بإصرار رئيس مجلس النواب نبيه بري على حقيبة وزارة المال واعتبارها مسألة ميثاقية، فيأتي موقفه وكأنه رد على استهداف معاونه السياسي علي حسن خليل. ما هو أبعد من ذلك أن كل الملفات في البلد باتت في أتون الصراع بين المحاور، إذ أن بري وأيضاً رئيس الجمهورية ميشال عون فهما أن الأميركيين باتوا متشددين في الملف اللبناني أكثر من اي وقت مضى، وهم في صدد إصدار عقوبات جديدة قد تطال شخصيات اساسية حليفة لـ”حزب الله”، ما يعيد هيكلة التحالفات بين الأطراف.




بموازاة العقوبات هناك تغيرات حدثت في أداء رئيس الحكومة المكلف حول مفاوضات التأليف. فمصطفى اديب يحاول أن يقدم صورة مختلفة عن طريقة تشكيل الحكومات، مستنداً إلى الدعم الفرنسي، ومتسلحاً بمبادرتها، لكنه أيضاً يسعى الى تكريس حيثية في بيئة السنية السياسية مدعوماً من رؤساء الحكومات السابقين. وقد فاجأت طريقة أديب، رئيس الجمهورية كما رئيس مجلس النواب، وفق مصدر سياسي متابع، فهو لم يعلق على ملفات داخلية ولا على موضوع العقوبات. حتى الآن يرفض الرئيس المكلف الإملاءات التي يمكن أن تثقل الحكومة بحمالات سياسية، ما يعني أنه يرفض المطالب التي تقول بتوزيع الحصص الحكومية، كما انه لم يكترث لما حمله الخليلان سابقاً إليه، أوالركون لأسماء مقررة مسبقاً من “حزب الله” أو من التيار الوطني الحر أو من عون أو من بري، وهو رفض حتى الآن وضع الفيتوات، ولم يلتق رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، إلى إصراره على اختيار أسماء الوزراء.

لكن رئيس الحكومة المكلف لم يستطع انتزاع موافقة الثنائي الشيعي على تشكيلة حكومية يحدد هو أسماء وزرائها، خصوصاً بعد العقوبات التي اعتبرها “حزب الله” وحركة أمل، محاولة لكسر هيمنتهما أو قوة قرارهما في الحكم، لكن أديب مقتنع بأن عملية التشكيل ستسير وفق الآليات التي حددتها باريس وأن التعطيل لن يستمر طويلاً، إذ لا أحد قادراً على نسف المبادرة الفرنسية، وأن أي رفض قد يعرض صاحبه إلى مزيد من العقوبات حيث باتت تتكشف معطيات عن عدد من الأسماء التي يمكن أن تتعرض لعقوبات ويجري تسريبها الى الإعلام.

في مفاوضات التأليف كان واضحاً أن الرئيس المكلف لا يريد الاصطدام مع الثنائي الشيعي، لذا لم يقدم تشكيلة حكومية نهائية قبل حسم الامور مع بري الذي تشدد في موقفه بعد العقوبات، فيما أعلن “حزب الله” انه لن يتنازل عن مشاركته في الحكومة وإن كان بوزراء اختصاص. وأديب أيضاً لا يريد أن يواجه ميشال عون الذي كان مصراً في البداية على إحالة النقاش إلى جبران باسيل، لكنه عاد وتولى البحث مباشرة، خوفاً من أن تذهب الامور إلى اتهام تياره بالتعطيل، ومن فرض عقوبات جديدة. وإذا كان الفرنسيون رفضوا أي بحث في توسيع حجم الحكومة وهو طلب عون بالدرجة الأولى، فإنهم أوحوا للجميع بأن أي عرقلة للتشكيل ستواجه بالعقوبات، ويمكن أن تدرج أسماء جديدة على اللائحة قد تزيد الامور تعقيداً. هذه الرسالة فهمها رئيس الجمهورية، وهو بدأ يسهل الامور بالعلاقة المباشرة معه، فيما الثنائي الشيعي الذي يعتبر معركة وزارة المال وجودية، لا يزال مصراً على قول كلمته في التشكيل الحكومي، لكنه وفق المصدر السياسي قد يعود ويمرر الحكومة الحالية ويفرض عليها رقابة وربما تضييق من مداخل أخرى، بما فيها استخدام ضغوط كثيرة من خارجها.

في المقابل، يتجنب رئيس الجمهورية رفض اي مسودة يقدمها أديب إليه، اذا كان الاخير قد حسم أسماء التشكيلة. وفي المعلومات أن الرئيس المكلف لن يذهب الى الاعتذار، بل قد يعطي وقتاً إضافياً بدعم من الفرنسيين لحل العقدة المتمثلة بالموقف الشيعي، وهو الموقف الذي يربط جملة ملفات بعضها ببعض. وبالنسبة إلى الثنائي، العقوبات هي جزء من ملف متكامل يتعلق بالحكومة وبوزارة المال وقد تصل الى ملف ترسيم الحدود الذي يرى فيه ضغوطاً أميركية جديدة. لكن الوقت لن يكون طويلاً قبل حسم مسودة الحكومة، فإذا رُفضت من عون والثنائي الشيعي ستعلن العقوبات ضد شخصيات مقربة منهما. وقد لوحظ أن جبران باسيل ابتعد عن فرض أي شروط لتاليف الحكومة، خوفاً من عقوبات محتملة.

لكن مسار التشكيل الذي يرى مصطفى أديب بحسب مقربين منه انه سيمر، لن يكون سهلاً، فإذا قرر الثنائي الشيعي تمرير الحكومة والتنازل في ملف المال، يكون ذلك مرتبط بحسابات معينة لتمرير المرحلة الصعبة الحالية. أما إذا كان أديب سيقلب معادلة الوزارات بين الطوائف ويختار أسماء غير متداولة، فإنه سيواجه بمقاومة شرسة، علماً أن الفرنسيين لا يريدون الذهاب بعيداً إلى هذا الحد، طالما أن البحث الرئيسي في اي تسوية أو صيغة سياسية مقبلة لن يمر من دون موافقة أهل النظام الحاكم والقوى المتحكمة بشؤون البلد، وهذا أمر لا يستطيع أن يواجهه مصطفى أديب وحده.

المشكلة التي يراها الثنائي الشيعي حاضرة أمامه، تكمن في أن الحكومة العتيدة لن تكون في الشكل والمضمون بين يديه. كانت حكومة حسان دياب في يد “حزب الله” والعهد والتيار الوطني الحر. اليوم بتنا أمام مشهد آخر. “حزب الله” لا يستطيع فرض تشكيل حكومة بنموذجه. المعادلات تغيرت في إطار الصراع القائم بين محاور إقليمية عدة، فالعقوبات الأميركية تسيدت الموقف، وبات الجميع يخاف من سلة جديدة، ما يدفع قوى كثيرة إلى تحييد نفسها عن الحزب، وتسهيل الامور في مسار التشكيل الحكومي. المفارقة أن العقوبات فعلت فعلها وهي مرشحة الى مزيد من التأثير، ما يدل على أن الأميركيين يملكون المبادرة والتأثير في وجه المحور الإيراني، وإن كان “حزب الله” يريد أن يواجه ويملك فائض القوة، إلا أن سيف العقوبات بدا انه سلاح أكثر فتكاً. وقد ينجح الفرنسيون بالتنسيق مع واشنطن وبالعلاقة مع الفئات اللبنانية المختلفة في تمرير الحكومة الحالية، لكن من دون أي رهان على أن تشكل حلا للأزمة اللبنانية.