//Put this in the section

لا يعرف مرجعٌ كبيرٌ إذا كان ماكرون سينجح!

سركيس نعوم – النهار

العلاقة بين رئيس مجلس النوّاب وبين “حركة أمل” وأحد قطبي “الثنائيّة الشيعيّة” نبيه برّي ورئيس “التيّار الوطني الحر” ووليّ العهد غير الرسميّ لرئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون كانت غير سويّة في معظم الأحيان. أسباب ذلك كثيرة منها عدم امتلاك الثاني القدرة على ضبط كلامه عند تعرّضه للشخصيّات السياسيّة الحليفة له كما المُعارضة لسياسته ومواقفه. ومنها أيضاً اقتناعه بأنّ حلف عون مع “حزب الله” البالغ القوّة في الطائفة الشيعيّة وصاحب الكلمة الأخيرة على الصعيد اللبناني والذراع العسكري الإقليمي الأقوى لإيران الإسلاميّة، اقتناعه بأنّ ذلك يخدم مصالحه، ويُساعده في تحقيق طموحاته السياسيّة سواء عارضها أو وقف ضّدها أخصام “الحزب” أو حلفائه أو شركائه. من هؤلاء برّي ورئيس “تيّار المردة” سليمان فرنجية. طبعاً كُتب الكثير عن هذا الأمر في الإعلام على تنوُّعه، كما نصح “الحزب” حليفه المسيحي القوي جدّاً “سابقاً وليس الآن” باسيل مباشرة مرّات عدّة وعبر داعمه الأوّل عون بالتخلّي عن أسلوبه الاستفزازي. لكن كما يُقال في العاميّة “دقّ الميّ ميّ”، وكما يُقال في الصفحى “الطبع غلب التطبّع”. يعني ذلك طبعاً أنّ باسيل وخصوصاً مع رئيس مجلس النوّاب تخلّى عن إطلاق المواقف غير المقبولة إلّا في جلسات ضيّقة خاصّة لا يُمكن أن يُسرِّب كلامه إلى الإعلام المشاركون فيها، وذلك إكراماً لحليفه “حزب الله”. لكنّه بقي على أسلوبه مع حلفاء آخرين لحليفه هذا لأنّ التنافس معهم على الوصول إلى رئاسة الدولة حادٌّ وكبير. وعندما “طريت” العلاقة بين برّي وباسيل وصار إجتماعهما مألوفاً رغم أنّ لقاءاتهما لا تزال غير كثيرة، تساءل كثيرون وخصوصاً بعد لقاءين بينهما في أعقاب مجزرة بيروت ومرفأها وبدء رئيس فرنسا ماكرون ممارسة وصايته أو بالأحرى رعايته للبنان لمساعدته على حلّ مشكلاته المُستعصية المتنوِّعة والكثيرة، تساءلوا إذا كان الإثنان طَوَا صفحة الماضي. وبقي تساءلهم من دون جواب، إلّا أن عدداً منهم علَّق “مازحاً” وبضحكة كبيرة بقوله: “إنّ آخرة باسيل لن تكون إلّا على يدي برّي”.




ما هي قصّة اللقاءين الأخيرين بين رئيس مجلس النوّاب ورئيس “التيّار الوطني الحر”؟ تُفيد معلومات جهات سياسيّة لبنانيّة مطّلعة جدّاً أنّ باسيل اتّصل ببرّي بعد بدء ماكرون عمله الراعوي أو الوصائي في لبنان طالباً مقابلته. فرحّب الثاني وعُقد الإجتماع. وقد ركّز فيه رئيس المجلس على أزمة الكهرباء المُستعصية وشدّد على ضرورة تنفيذ كل الإصلاحات المُتعلّقة بها مُعتبراً كما غالبيّة الخبراء والسياسيّين أنّها وبسبب طريقة إدارتها مسؤولة عن نصف الدين العام في البلاد الذي فاق الـ 80 أو الـ 90 مليار دولار. وذلك كان أحد أسباب الإنهيار المالي والنقدي ولاحقاً المصرفي. ثمّ شجّعه بل حثّه على تعيين الهيئة الناظمة للكهرباء التي نصّ عليها قانون نافذ والتي امتنع من تولّى وزارة الطاقة منذ أكثر من 10 سنوات، وكلّهم مُحازبون له أو حلفاء أو مُستشارون عن تعيينها، لأنّها وبموجب القانون تحدُّ من سلطته وتمنعه كما تمنع جهات أخرى مُعارضة له تتولّى الوزارة نفسها من التصرُّف على ذوقها من دون حسيب أو رقيب وانطلاقاً فقط من مصالحها. دلّ ردّ باسيل على نصيحة برّي على عدم استجابته لها إذ قال: “لنُعدِّل القانون أوّلاً ثمّ نُعيّن الهيئة الناظمة”. فردّ برّي: “كلّا. عيِّنها بموجب القانون الحالي النافذ إذ أنّ التعديل الذي تشترطه قبل ذلك يجعل الهيئة الناظمة صوريّة، ويسمح لك ولغيرك بالتصرُّف في كل ما يتعلّق بالكهرباء من دون ضوابط. هذا التصرُّف المستمر منذ عشر سنوات حرم اللبنانيّين الكهرباء و”أهلك” الخزينة ورفع الدين العام على نحوٍ غير مسبوق وخطِر، وتسبّب مع أمور أخرى في الانهيار الشامل للبلاد”. بعد ذلك أثار باسيل موضوع المُداورة في تولّي الحقائب الوزاريّة وخصوصاً في وزارة المال مُلمّحاً ربّما أنّ ذلك يُعوِّض خسارته و”تيّاره” وزارة الطاقة. طبعاً رفض برّي ذلك وشرح لباسيل الأسباب الموجبة للرفض.

ماذا حصل في الإجتماع الثاني؟

تُفيد معلومات الجهات السياسيّة اللبنانيّة نفسها أنّ الرئيس برّي كان في بعبدا مُجتمعاً بالرئيس عون في انتظار الرئيس الفرنسي ماكرون تلبية لدعوة الثاني إيّاه إلى مأدبة غداء على شرفه في القصر الجمهوري. قال عون لبرّي: “يجب أن تحكي مع جبران”. “لا مانع فمكتبي دائماً مفتوح”. ردّ عون: “سأحكيه الآن عبر الهاتف وأُبلغه ذلك”. هنا شعر رئيس المجلس أنّ هناك أمراً مُبيّتاً أو رغبة في اجتماع غير مُحضَّر له مع باسيل في قصر بعبدا سيجري الآن فاسْتَعدَّ. طلب عون باسيل على الهاتف وبدأ الكلام معه فسارع برّي إلى أخذ “السمّاعة” وسأل باسيل: “أين أنت الآن؟”. أجاب: “على باب القصر”. ردّ برّي: “أُدخُل”. وعندما همّ باسيل بالجلوس قال له برّي: “لا تجلس”. ثمّ كرّر أمام الرئيس أنّه رحَّب بالاجتماع به أوّل مرّة وسيستمرّ بالترحيب به مرّة أخرى وأكثر. ثمّ دعاه إلى زيارة “عين التينة” للقاء مع “الخليلين” أي مُستشاره الوزير السابق علي حسن خليل والمُستشار السياسي للأمين العام لـ”حزب الله” الحاج حسين خليل للبحث في القضايا المطروحة. ثمّ سأله: “بُكرا (غداً) مليح”؟. وحدّد له الحادية عشرة والنصف موعداً له معهما في اليوم التالي في “عين التينة”.

في أي حال تُشير الجهات السياسيّة اللبنانيّة نفسها أنّ الرئيس برّي لم يصل بعد إلى درجة التيقُّن من نجاح مبادرة ماكرون أو على الأقل أوّل مرحلة فيها، وهي نجاح الرئيس المُكلّف الدكتور مصطفى أديب في تأليف الحكومة التي اقترحها. إذ بدأ الحديث من قادة في الطبقة السياسيّة عن زيادة عدد أعضائها وعن المُداورة في حقائبها محاولين بذلك جعلها مثل حكومة المُستقيل الدكتور حسّان دياب. طبعاً هو يعرف أنّ رئيس فرنسا كان صارماً في اجتماعه بهؤلاء القادة في قصر الصنوبر، وأنّ إفشالهم مُخطَّطه الإنقاذي ستكون لها عواقب سلبيّة عليهم كما على لبنان.