//Put this in the section
الياس خوري - القدس العربي

«انتداب ـ لايت» – الياس خوري – القدس العربي

عندما وقف الرئيس الفرنسي بين جموع الناس المصابين بذهول الكارثة في الجميزة، ارتفعت أصوات تطالب إيمانويل ماكرون بعودة الانتداب.

وهي أصوات تتصادى مع رغبة جامحة عند الشباب اللبنانيين في الهجرة إلى الخارج.




الغريب أنني في تلك اللحظة لم أشعر بالغضب، بل شعرت بالخجل.

وهو شعور مشابه لشعوري وأنا أرى على شاشة التلفزيون تجمعات من فلسطينيي مخيمات لبنان أمام السفارة الكندية، تطالب بالهجرة إلى كندا.

مطالبة اللاجئين الفلسطينيين بالسماح لهم بالهجرة، لم تثر اهتمام قادة ما تبقى من الفصائل الذين اجتمعوا في بيروت، كي يشاركوا عبر الفيديو كونفرنس في اجتماع دعت إليه القيادة الفلسطينية في رام الله.

السيد إسماعيل هنية تحدث في مخيم البؤس في عين الحلوة عن الصواريخ، ولم يسأل حلفاءه اللبنانيين كيف يوفقون بين عدائهم لإسرائيل وعنصريتهم ضد اللاجئين الفلسطينيين!

الذين طالبوا ماكرون بعودة الانتداب يمتلكون منطقاً بسيطاً وواضحاً، وهم يعتقدون أنهم لا يضحّون باستقلال لم يكن إلا وهماً، وبسيادة لا وجود لها لأنها سيّدت عليهم اللصوص والمافيات، وبكرامة تحولت إلى ممسحة، وباقتصاد ليس سوى مجموعة من فقاعات أتقن تركيبها قطاع طرق يلبسون ربطات عنق، ويمارسون أبشع أنواع الجرائم.

وعندما قرّع ماكرون أفراد الطبقة الحاكمة وزعماء مافيات الطوائف، وعاملهم باحتقار، لم يجد الناس أي سبب للغضب أو الشعور بالإهانة. فماكرون كان يهين من أهانهم، ويبهدل من سرقهم، ويتوعد من قتلهم في بيوتهم وفجّر مدينتهم.

ولكنني هنا شعرت بلامبالاة حزينة.

الحزن أمام مشهد المهانة سرعان ما تبدد، فقلوبنا التي انشقت عندما صارت بيروت نصفين، نصفاً مدمراً ونصفاً مهدداً بالدمار، لم تعد تتسع لحزن إضافي. تحولت لامبالاتي الحزينة إلى احتقار لهؤلاء السفلة من حكامنا الذين لم يكتفوا بنهبنا وقتلنا، بل يناورون ويتزحفطون من أجل نيل الرضى والبقاء في كراسيهم الغارقة في العار.

الرئيس الفرنسي تصرف بلباقة المستعمِر الذي يتملكه الحنين إلى ما كان. وضع الغضب الشعبي في رصيده قبل أن يباشر مهمة شد الحبال مع القتلة.
واللعبة الفرنسية مدروسة بدقة على المستويين الدولي- الإقليمي واللبناني الداخلي.

ماكرون يعرف أن الأمريكيين عاجزون عن تقديم أي حلّ، لأن لهم هدفاً وحيداً هو ضمان أمن إسرائيل، أما ما تبقى فلا يدخل في حساباتهم في المنطقة. وقد وجد ترامب في مشايخ النفط وملوكه ضالته. حكام مماك الرمل والملح يرتعدون، وضمانتهم الوحيدة ستكون إسرائيل.

الروس قد يكونون حلفاء مضمرين في لعبة تقاسم النفوذ في شرقي المتوسط في مواجهة التوسع التركي.

إيران في أزمة اقتصادية خانقة، وهي تسعى إلى تسوية لا تكون استسلاماً كما يشتهي ترامب.

الدور العربي انتهى في لبنان بعدما لحقت دول الخليج بمصر وخرجت من المعادلة.

هذه القراءة سمحت لماكرون بأن يقترح تسويته في محاولة لإنقاذ النظام الاقتصادي والسياسي اللبناني، وهي تسوية مركّبة، لا تمس بنية السلطة اللبنانية لكنها تحدث تعديلات جوهرية على طريقة الإدارة. وهذا لا يعني فقط تعيين سفير مغمور رئيساً للحكومة، بل تعني أيضاً إمساك الفرنسيين بمفاصل الاقتصاد: المرفأ والمطار والاشغال العامة والقطاع المصرفي والاتصالات والإشراف على الخصخصة؛ أي ما يسمى الصندوق السيادي، وتأجيل قضية السلاح في انتظار تسوية أمريكية – إيرانية لا تزال بعيدة المنال.

اقتراحات ماكرون تشبه انتداباً قليل الدسم «لايت»، أي من دون قوة عسكرية مباشرة تحميه.

حماية هذا الانتداب تأتي من عاملين:

العامل الأول هو الانهيار الذي برهن أن المافيات الحاكمة باتت عاجزة ومهانة ومشلولة.

العامل الثاني هو البنية الطائفية التي جعلت من لبنان غابة لا يستطيع وحوشها إدارتها.

العامل الأول واضح وليس في حاجة إلى برهان، أما العامل الثاني فيثير العجب. فرنسا العلمانية تأتلف في سياستها اللبنانية مع بنية دينية طائفية تشكل نقيضاً كاملاً للقيم الجمهورية!

يجب أن لا يثير هذا التناقض العجب، هذا الموقف هو جوهر السياسة الكولونيالية منذ زمن بداية تفكيك السلطنة العثمانية. المتصرفية تأسست عام 1864 على أساس طائفي، ودولة لبنان الكبير كانت تعميماً للمنطق المتصرفي على مدن الساحل والأقضية الأربعة التي ألحقت بلبنان. لكن فرنسا في الزمن الكولونيالي المتجدد مختلفة، جاك شيراك تحالف مع رفيق الحريري ومع الطائفة السنية، فلماذا لا يتحالف إيمانويل ماكرون مع جميع الطوائف؟

الانقسام الطائفي هو ضمانة الخارج الإقليمي والدولي في لبنان، غير أن التحالف اليوم مشروط بانصياع وطاعة الطبقة الحاكمة لشروط المفوض السامي الفرنسي المقيم في قصر الصنوبر.

نجاح الماكرونية ليس مؤكداً. فعلى عكس أيام الجنرال غورو، يجد الانتداب أمامه زعامات طائفية محلية لا شرعية لها. كما أنه لا يستند إلى فكرة كتلك التي صاغها ميشال شيحا لجمهورية التجار.

لكن لا داعي للعجب، فزمن اليوم هو زمن استعماري مختلف، زمن الشركات العملاقة والبيوتات المالية، ولم تعد أيديولوجيا «تحضير» الشعوب الهمجية تستهوي أحداً.

نحن أمام اقتراح صيغة جديدة للانتداب، والرئيس الفرنسي يعلم أنه يغامر، فهو يتصدى لإنقاذ نظام مهلهل ومفكك، وترميم بنى سياسية واقتصادية متهالكة. ويمشي في حقل ألغام دولي وإقليمي بلا ضمانات.

قوة اقتراح ماكرون هي أن الجميع في حاجة إليه، إلا إذا قرر ترامب أن مصلحة إسرائيل تقتضي إنهاء لبنان، أو قررت إيران وحلفاؤها أن لبنان هو ساحة المواجهة الأقل كلفة. فيكون غض النظر الأمريكي والانحناءة الإيرانية مجرد شراء للوقت.

أما الذين أصيبوا بخيبة أمل من السياسة الانتدابية الجديدة، فعليهم أن يعوا أن الاتكال على الخارج لا يفيد، وأن مهمة إنقاذ الوطن عبر إعادة بنائه هي مهمة شباب وشابات انتفاضة 17 تشرين.