//Put this in the section

مصطفى أديب يصطدم بشروط ”ممانعة” للتأليف… التغطية الفرنسية لم تُذلِّل عقبات ”الحزب” و”التيار”!

ابراهيم حيدر – النهار

بعدما أنهى رئيس الحكومة المكلف مصطفى أديب مشاوراته مع الكتل النيابية الرئيسية لتأليف الحكومة، اكتشف سريعاً أن عملية التأليف تحتاج إلى موافقة المرجعيات والقوى السياسية والطائفية في البلد، وإن كانت هذه القوى تعهدت للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنها ستسهل التأليف ولن تتدخل في عمل الرئيس المكلف. والواقع أن التعقيدات أمام أديب بدأت تظهر مباشرة بعد مغادرة ماكرون لبنان، ليس في وجه المبادرة الفرنسية بل في وجهه مباشرة، وهي تعقيدات تتعلق بالتركيب الحكومي وتوازناته، حتى لو كان هذا التركيب اختصاصياً، إذ ليس صحيحاً ما يشاع عن أن تشكيل الحكومة العتيدة واختيار وزراءها عملية تتم من دون تغطية المرجعيات السياسية والقوى الطائفية، فالصراع لا يزال على أشده حول الحصص والمواقع والنفوذ، من تحت أقدام المبادرة الفرنسية.




النقطة الإشكالية الأولى التي بدأت تظهر بعد أيام من المشاورات، تتركز حول مهمة الحكومة، وهذا الامر يرتبط بما ستكون عليه العلاقة بين وزراء الحكومة العتيدة والقوى السياسية والطائفية. ولعل ما يحكى عن قدرة استثنائية للرئيس المكلف في اختيار الوزراء بدعم فرنسي مباشر، وهو الذي يشكل نقطة تقاطع بين مختلف القوى في النظام والحكم، شيء والواقع وتعقيداته والمشاريع السياسية المرتبطة به شيءآخر، وهذا يعني وفق مصدر سياسي متابع أن لا قدرة لمصطفى اديب على تأليف حكومة انقاذ مستقلة، وهو الذي يحظى بتغطية الطبقة الحاكمة كلها ووافقت عليه بمن فيهم “حزب الله”، فلا يسير التأليف الحكومي من دون مفاوضات وبحث مع الأطراف المعنيين وهم من سيعطي الموافقة النهائية على الأسماء والحقائب وتوزعها.

حتى الآن لا تزال القوى التي تعهدت أمام الرئيس الفرنسي أنها لن تضغط على الرئيس المكلف ولن تفرض ما تريد في التشكيلة الحكومية، هي نفسها تصرعلى حقائب معينة كانت من حصتها في حكومة حسان دياب المستقيلة والحكومات السابقة، خصوصاً حقائب المال والاتصالات والطاقة، والصحة التي يريد الحزب أن تبقى من حصته وان كانت مع وزير اختصاص. وفي المعلومات أن الرئيس المكلف يسعى من خلال اتصالاته ومشاوراته واجتماعاته المتتالية مع ممثلي القوى في الحكم، بعد الاستشارات غير الملزمة، إلى وضع معادلة تقول أن اختيار الوزراء سيكون على قاعدة مختلفة، أي لن يكونوا مناوئين للقوى والكتل النيابية، وفي الوقت نفسه لا يكون من أعضائها أو في عدادهم. لكن هذه المعادلة التي يرعاها الفرنسيون بدت أنها غير مقبولة لدى أطراف عديدين، إذ أن “حزب الله” و”أمل” يريدان مشاركة مباشرة في الحكومة وتمثيل واضح وان كان تحت عنوان الاختصاص، وكذلك التيار الوطني الحر الذي يسعى لأن تكون الاتصالات والطاقة له بأسماء ليس بالضرورة أن تكون حزبية.

في أجواء المفاوضات التي لا يعرف من يديرها في الكواليس، من خارج ما يقوم به الرئيس المكلف، يريد الفرنسيون تشكيل حكومة في أسرع وقت، وهم نالوا تعهداً من القوى السياسية بالتعجيل في حسم هذا الموضوع وتقديم التسهيلات اللازمة لذلك. لكن باريس من خلال متابعتها للمفاوضات خلال الأيام الأخيرة، بدأت تشعر وفق المصدر المتابع بالتعقيدات الكبيرة في التركيبة اللبنانية الراهنة، وهي إذا كانت تصر على حكومة منتجة من الاختصاصيين، إلا أنها لن تتمكن من بت هذا الموضوع اذا كانت تريد حكومة في وقت قياسي، اي خلال 15 يوماً، وهو أمر غير ممكن في ظل الشروط المتبادلة بين القوى حول تركيبة الحكومة والحقائب وأسماء الوزراء، ما يعني العودة الى طريقة التشكيل القديمة اي العودة الى ما قبل 4 آب، مع ما تحمله من إصرار على المحاصصة، وإن كانت تُقدم بعنوان الاختصاص والاستقلالية. والأمر المحسوم أن رئيس الحكومة المكلف سيتحول بعد التأليف الى إسم يدير التناقضات كونه يشكل نقطة تقاطع مع الجميع، لكنه سيكون ضعيفاً وعاجزاً عن أن يكون طرفاً، بالطريقة التي تصرف بها رئيس الجمهورية ميشال عون، فبدلاً من أن يكون حكماً بين اللبنانيين تحول أو أجبر على أن يكون طرفاً يستند الى تياره السياسي، بينما رئيس الحكومة المكلف لا يكون أمامه إذا أقفلت الأبواب سوى خيار الاعتذار.

يتركز الاهتمام خلف مسار مفاوضات تشكيل الحكومة على المرحلة التي تليها. إجراء الإصلاحات أولوية، لكن لن يكون أمام الفرنسيين سوى خيار الضغط لتشكيل الحكومة بلا شروط تعجيزية. وفي هذا السياق، يكشف المصدر السياسي المتابع أن الرئيس المكلف دعا الذين التقى بهم من الأطراف، خصوصاً ممثلي “حزب الله” و”حركة أمل” إلى العمل لتحقيق انجاز التشكيل من دون أن يطرح فرضية أي سيناريو للاعتذار، فهو يريد تشكيل حكومة فيها حيز للقرار، كونه يعرف انه أتى بموافقة القوى في إطار الرعاية الفرنسية، وهو مقتنع ان تشكيل حكومة مستقلة أمر غير ممكن. وفي المقابل تسعى القوى السياسية الممانعة التي جاءت سابقاً بحسان دياب رئيساً للحكومة الى أن يكون لها كلمة الفصل في القرار انطلاقاً من موازين القوى الراهنة، واستثمار المبادرة الفرنسية لصالحها في مفاوضات الصيغة اللبنانية الجديدة إذا انطلقت بعد انجاز الإصلاحات. لذا تتركز الانظار حول موقف “حزب الله” تحديداً بالعلاقة مع العهد والتيار الوطني الحر، إذ أن مكتسبات هذه القوى ليس من السهل نزعها، وهو أي الحزب يمسك بالقرار في الصيغة الحالية وليس مستعداً للتنازل الاستراتيجي ولا الانسحاب من تدخله في المنطقة، ويبدو وفق ما يقول المصدر السياسي أنه غير مهتم باي صيغة جديدة طالما ان هيمنته اليوم أكبر بكثير من أي تغيير محتمل، حتى عندما يطرح المؤتمر التأسيسي، فهو يتمسك بموقعه اليوم ودوره، وهو ما ينسحب على تشكيل الحكومة الجديدة.

سيتمكن مصطفى أديب من تشكيل الحكومة، لكنها لن تكون تلك الحكومة التي حدد عناوينها عند تكليفه في رعاية الفرنسيين وموافقة القوى السياسية والطائفية في الحكم. وبعد التشكيل سيبدأ النقاش في النظام المقبل، وستحضر كل الملفات الإشكالية بما فيها الفدرالية، وإعادة توزيع الصلاحيات بين الطوائف. لكن كل ذلك، سيكون مرتبطاً بوضع “حزب الله” ومدى استعداده للموافقة على أي صيغة من دون أن تتعرض لسلاحه وقوته…