//Put this in the section

حزب الله: باريس تعاملت موضوعيا مع ”الأمر الواقع” وموجباته!

ابراهيم بيرم – النهار

في الأيام القليلة الماضية، بات يتملك بعض خصوم “حزب الله”، اقتناع بأن التطورات التي تلت انفجار 4 آب، قد سمحت بتعويم الحزب وأعادت الاعتبار الى دوره كلاعب. وفي المقابل، يفصح مؤيدو الحزب عن شعور بالبهجة تأتت عن اقتناع بان تداعيات الأحداث المتتالية، قد سارت وفق ما تشتهيه سفنهم، إذ أنه أدت إلى تحطم حلقات الحصار التي عمل كثر على زج الحزب خلف قضبانها ومحاصرتها بتهم شتى أبرزها:




– مسؤوليته بشكل أو بآخر عن الحصار المالي المحكم على الهيكل الاقتصادي للبلاد، فلولا وجوده ودوره الاقليمي لما بادرت الولايات المتحدة ومعها الاقليم العربي، الى ممارسة هذا الضغط الثقيل الوطأة على المالية العامة.

– في رأي هؤلاء أن الفرصة الذهبية الاكبر، لمحاصرة الحزب هي في تحميله تبعات الانفجار المدوي في مرفأ بيروت، ان بشكل مباشر عبر اتهامه “بتخزين السلاح” وإمراره عبر هذا المرفأ، أو لأن صدامه المستمر ومواجهة اسرائيل، استدعى “ضربة” عسكرية من تل أبيب لمرفأ بيروت من الرد وعمل الانتقام.

ومن البديهي أن كلا الفريقين (أعداء الحزب ومريديه) وجدوا لما يذهبون إليه في:

– الاعتراف الفرنسي بموقع الحزب في المعادلة السياسية ودوره، ومن ثم اجتماع الرئيس الفرنسي ماكرون في زيارتيه الاخيرتين الى بيروت بمندوب الحزب تارة منفردا، وتارة أخرى مع ممثلي القوى السياسية السبعة الاساسية في البلاد عند اجتماعه بهم مرتين في قصر الصنوبر.

– أكثر من ذلك، أعطى ماكرون للحزب “صك براءة” ما كان ينتظره اطلاقا، وبرأه من أي شبهة فساد وأدرجه في خانة القوى التي يمكن أن تكون شريكة في أي تجربة حكم جديدة لاحقا.

– فضلا عن انه اعتبر ان الحديث عن سلاح الحزب، ليس أولوية ويمكن تأجيله الى موعد لاحق.

– من البديهي ان حدث اللقاءين هو إسقاط غير مباشر لكل المساعي المبذولة منذ زمن لعزل الحزب تحت شبهة وذريعة أنه مدرج الاسم على قوائم المجموعات الارهابية.

لاحقا كان لخصوم الحزب فرصة أن ينتقدوا هذه المقاربة الفرنسية ويبدو عتبا على سلوك باريس وركوبها هذا المركب الخشن، وقد كان النائب السابق نديم الجميل الاكثر جرأة في هذا الانتقاد، لكن “أصدقاء” الحزب ورغم أنهم ما كتموا شعورا بالارتياح، فما حصل بمثابة “ورقة لوتو” غير منتظرة قد ربحها الحزب ومحوره فجأة من حيث لا يتحتسب، بعدما كان عشية انفجار المرفأ في وضع لا يحسد عليه من الصعوبة، لا سيما بعدما بدت الحكومة المحسوبة عليه في وضع القاصر عن مواجهة الحصار الشديد عليها، وفي وضع العاجز عن المضي قدما في أي خطوات إصلاحية إنقاذية في ظل حصار عربي – غربي محكم.

ومع ذلك، فإن في أوساط الحزب المعنية بمتابعة الموضوع، من يعتبر بصراحة أن هذه “الاندفاعة” الفرنسية المفاجئة تجاه لبنان، واستطرادا حيال الحزب، لم تكن جزءا “من منة” لها ما يليها ويتبعها وفق قول البعض، ولم تكن بمثابة “فك مشكل” متعاظم للحيلولة دون مزيد من الانهيار لوضع لبنان على كل الصعد، من شأنه أن يضعه على شفير “الزوال والانتهاء” وفق التحذير المثير للالتباس الذي أطلقه وزير الخارجية الفرنسية لودريان، بقدر ما هو متصل تماما بأمرين اثنين:

– اخفاق كل المحاولات والجهود التي بذلت تباعا بغية إلغاء دور الحزب أو تهميشه واقصائه أو في أضعف الحالات محاصرته وعزله وشيطنته.

– المحاولات تلك اتخذت أشكال شتى ومحطات عدة، وكانت ذروتها في الاشهر العشرة الاخيرة التي تلت انطلاق الحراك الشعبي في الشارع، ومن ثم منع الرئيس سعد الحريري وما يمثل في المشهد السياسي، من الترشح لرئاسة الحكومة (بعد استقالة حكومته) وفي رفض قسري تحت وطأة التلويح بعقوبات على أي عملية تغطية لأي حكومة تولد لكي تبقى الحكومة فاقدة لغطاء “الشرعية السياسية السنية”، وتحرم بذلك من أي فرصة للنجاح والتقدم والمواجهة.

وبعد انفجار المرفأ، ومن ثم استقالة حكومة دياب تحت وطأة هذا الحدث المدوي، كان أمر العمليات “المضاد” يتركز على الآتي:

– تحميل الحزب تبعة الخراب.

– إسقاط مجلس النواب بعد اسقاط الحكومة، وتوطئة لتشريع الدعوة الى “انتخابات نيابية مبكرة”، تمهيدا “لتشليح” الحزب وقوى محوره ورقة الاكثرية النيابية، بناء على حسابات فحواها أن اي انتخابات مقبلة، لن تؤثرعلى مكانة الثنائي الشيعي وحصتهم المحسومة في المجلس، إلا أنها “ستقلم أظافر” حلفاء الحزب المسيحيين (التيار الوطني الحر) والسني (اللقاء التشاوري) وستعيد الاكثرية الى ما كانت عليه قبل الانتخابات الأخيرة.

وبمعنى آخر، كان الهدف الاساس هو تبديد “حاضنة” الحزب السياسية أي “حبل السرة” الذي تتغذى منه سياسيا ويمشي لاحقا واثق الخطوة.

– وليس غريبا أن “حزب الله” أدرج الدعوة المفاجئة الى “الحياد” بكل ألوانه كجزء لا يتجزأ من محاولة الضغط والعزل تلك.

وفي الوقت عينه كان هناك من يضمر رهانا قويا على نتائج حكم المحكمة الدولية الخاصة بقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وعلى التداعيات المحتملة والفرضية لهذا الحكم، وكلها تقود الى ارتقاب مناخات فتنة كجزء من جهود “عزل الحزب”.

من خارج كل تلك الحسابات المعقدة والملتهبة، أتت خطوات ماكرون والاقرار بدور الحزب، لتقلب الامور رأسا على عقب، فهل هي صدفة أو “ضربة حظ”، خدمت الحزب وساهمت في إخراجه من أزمته المفترض أنه يراوح فيها.

الاوساط عينها ترى ان “صمود” الحزب وثباته مع حلفائه في مواجهة كل ذلك “الفيض” من حملات الضغط والرهانات المستعجلة على قرب سقوطه، هو السبب العنصر الاساسي الذي دفع بباريس الى التعامل مع أمر واقع يصعب عزله وتجاهله أو رسم خارطة طريق لانقاذ البلاد من دونه، اذ أن نهج منازلته الدائمة واشهار العداء ضده بكل الاساليب مقرونة بالتهويل الدائم عليه، لم تفلح كلها في فرض المسار الذي يريده خصوم الحزب.

بل على العكس، فإن الضغوط على لبنان تحت شعار الضغط على الحزب وبيئته الحاضنة وحلفائه، أعطت رد فعل معاكسا أنهك الخصوم أنفسهم.

الأوساط عينها تجد في الانعطافة الفرنسية، إقرارا متأخرا بالامر الواقع الذي يستحيل تغييره والبناء على أمر مخالف.

وهل ينطوي هذا “الاقرار” الفرنسي بواقع الحال العنيد هذا على امكان المضي قدما في اعادة صياغة عقد سياسي جديد للبلاد؟

لم يصدر عن الحزب إطلاقا ما يوحي أنه مراهن على ذلك أو يغتنم الطرح الفرنسي حول هذا الموضوع لاعتبارين اثنين:

– الاول انه غير مستعجل ولن يضيف “تعقيدا” جديدا للوضع، ما دام أن الكل صار مقتنعا بضرورة التغيير، فالامر حاصل عاجلا أم آجلا.

– ان المهمة الاساسية بالنسبة له هي في لملمة الوضع واعادة الاستقرار والتوازن الداخلي، والمدخل هو أن يدعى الجميع لموجبات التحولات التي حصلت في عمق الاجتماع اللبناني وأن يقرب استحالة العودة الى الوراء.