//Put this in the section

نعم لإعلام حرّ.. لا لكلمة “مأجورة”!! – كاتيا سعد – باريس

انتُهِك معنى “حرية التعبير”، احترق خيط الحروف، وتشّلع ترابط الكلمات.. لماذا؟ لأن لبنان اليوم يستصعب الحفاظ على حرية إعلامه، كما حرية أبنائه. لا أدري إن كانت “لعنة” وحلّت علينا ؛ أم أنها مجرّد انتفاضة وطن، يعاني من “التسمّم السياسي”، فأخذ التقصير السياسي يطفو علناً.

المفارقة هنا هو أنّ كل فرد أو مؤسسة إعلامية، يعبّر بإسم الحقيقة والواقع، يُحجر ويُعاقب كلٌ حسب موقعه. أما كل من يمارس بالقول وبالفعل، ما يتلاءم مع سياسة الطبقة الحاكمة، فيتدلّل ويستشرس أكثر فأكثر في حملة الدعم.




لن أذهب بعيداً في الأحداث، وسأكتفي بموقفَين:

الموقف الأول، ما يحدث مع تلفزيون MTV التي تثير حفيظة بعبدا وهذا العهد السياسي. فبعد إعلان “التيار الوطني الحر” مقاطعة القناة، فقد منع القصر الجمهوري في بعبدا، فريقها من دخول قصر بعبدا وعدم السماح بتغطية نخلة عضيمي، مراسل القناة، الاستشارات النيابية لتسمية رئيس الحكومة الجديدة (31 آب 2020). وقد برّرت الرئاسة قائلة: “المحطة هاجمت رئيس الجمهورية، ونزعت صفته الرسمية عنه (…) وتمادت بشتمه وتجريحه، وإطلاق النعوت غير اللائقة بحقه”. وبعيداً عن الغوص في تفاصيل سياسية – إعلامية – قانونية، حول سياسة المحطة أو طريقة تغطيتها للأحداث من جهة، واللغة المعتمدة في معظم برامجها من جهة أخرى، فإنها تعبّر عن رأي اللبناني – الناضج والذكي والواقعي، لما يعانيه من استهتار ولامبالاة الطبقة الحاكمة. فكم من مواطن لبناني “عم يكرفت” (يستشيط غيظاً)، من الحالة التي وصل إليها؟ فما بالك إذاً من أهالي كل ضحية تسقط في لبنان، وكل متشرّد وكل صاحب مال عاجز عن التعامل بحريّة بماله؟ هنا مع الأسف، قد يضطرّ بنا الأمر إلى التساهل بأخلاقيات المهنة، وغضّ النظر عن أسلوب التعاطي مع اللغة الإعلامية، ذلك لأن حجم المصيبة يبرّر هذا الموقف أو ذاك، كما أيضاً باعتبار أنّ الإعلام هو صوت الشعب. وما تقوم به هذه المحطة أو سواها، أو كل إعلامي وصحافي يتحدّث بإسم الحق، هو أنه يقول لسان حال اللبناني. وما يتمّ التعبير عنه في الشارع اللبناني، وحتى في الجلسات اليومية، هو أكبر بكثير حتى مما يُنقل على شتى وسائل الإعلام.

أما الموقف الثاني، تغريدات شربل خليل، كاتب ومخرج، المستفزّة ذو الأسلوب اللغوي “اللأخلاقي” في حق كل من هو ضدّ هذه الطبقة بشكل عام. ومن بينها في الآونة الأخيرة: “‏طالما هلقد مبسوطين بالكلب التشيلي، وعندكن اجماع عليه، حطّوه قائد لثورتكم، هيك هيك ما اتفقتوا ع قائد”. هنا يشير شربل إلى “فلاش”، وهو الكلب التشيلي الذي كان يرافق فريق الإنقاذ التشيلي، الذي جاء إلى لبنان للمساعدة في إزالة آثار الدمار الناجم عن انفجار مرفأ بيروت، والذي اشتمّ رائحة وجود أحد الضحايا حياً تحت الأنقاض. لن أستعيد هنا أرشيف شربل خليل في البرامج الساخرة – الانتقادية، ولكن استفسار بسيط: أين نحن من محاكمة أو مساءلة “مناصرو” السلطة، مهما كان اسمه او مكانته، من التعدّي حتى اللفظي تجاه المواطن؟ شربل، كما غيره ممّن يتعدّون على المواطن بألفاظ “غير محببة”، يستخدم حقه في حرية التعبير على منصاته الإلكترونية.. نحن هنا أمام تهجّم عكسي، بمعنى من مواطن ينتمي إلى لون سياسي معيّن، باتجاه مواطن حرّ يستخدم حقه أيضا في التعبير عن رأيه ويقف في صفوف الثوّار، فلماذا إذاً لا نحكم بالعدل؟ وبالتساوي؟

لست أنا من سأبلغكم برأي الغالبية بإعلام لبنان، وكيف أنه مثالاً في الانفتاح والحرية، وقدوة أمام الإعلام العربي والخارجي سواء بالمضمون وحتى بالصورة. ولكن لا يكفي أن يظهر إعلامنا بأبهى صورة، ما دام لا يختزن أبهى مضمون. “والله حرام” ما يحدث، وكأننا لوهلة ننسى القِيم والنضوج الفكري، ونعود بالزمن إلى قرون مضت. الإعلام سلطة قائمة بحدّ ذاتها، ليست صورة للبلد وحسب، وإنما ثقافة شعب. وثقافتنا تمنعنا الخضوع للقمع، ونرفض “تلميع” صورة أي شخص سواء من رجال الدولة أو المدنيين.

نعم لاحترام “سياسة المحطة” وخطها السياسي ؛ نعم لاحترام “أخلاقيات الإعلام” ؛ نعم لاحترام “مهنة المتاعب” ؛ ولكن نعم لإعلام حرّ و”غير مأجور”!

لا نريد أن نصمت.. ما دمتم على يقين بأنّ ما تقومون به هو الصواب، فممّا الخوف إذا؟!