//Put this in the section

أين لبنان يا فخامة الرئيس؟!

راجح الخوري – النهار

“إن شباب لبنان ينادون بالتغيير، أصواتهم تصدح في كل مكان تطالب بتغيير النظام، فهل نصغي إليهم؟ هؤلاء هم لبنان الآتي، ولأجلهم ولأجل مستقبلهم أقول نعم حان الوقت لاتخاذ هذه الخطوة”.




عندما يقول الرئيس ميشال عون هذا الكلام في مناسبة المئوية الأولى للبنان الكبير، هل يتذكر كم ان لبنان فقير وصغير وضرير ومدمر أكثر من المرفأ ومن بيروت المنكوبة، وهل يتفضل ويشرح لهؤلاء الشباب، مَن الذي أوصل بلدهم لبنان ليكون منعدم الديموقراطية، وجمهوريات عدة لا جمهورية واحدة، كما قال، وهو الرئيس حامي لبنان والدستور منذ أربعة أعوام، ولم نره يوماً يُقيم القيامة على “المحميات والخطوط الحمر والمحاصصات التي تكبل أي إرادة لبناء الدولة وتفرمل أي خطوة نحو الإصلاح”؟

غريب، كم من الحكومات والخيبات حصلت في هذا البلد البائس، وكم من الوقت أضاعوا وكم من الوقت سيضيعون الآن بعد تكليف رئيس جديد تشكيل حكومة! فماذا فعل عون صاحب شعار “الإصلاح والتغيير” قبل ان يصل الى بعبدا، ولماذا سكت عن كل ذلك وهو الذي يتحدث الآن عن موروثات الطائفية البغيضة، داعياً الى الدولة المدنية، التي تفترض إلغاء الطائفية حكماً؟ وبالله ما معنى الدعوة تكراراً الى “حوار يضم السلطات الروحية والقيادات السياسية، وذلك توصلاً الى صيغة مقبولة من الجميع تترجم بالتعديلات الدستورية المناسبة”، واي قوة تملك السلاح اكثر من الدولة، واي سلطات دينية تلك التي ستبصم على الدولة المدنية، واي قيادات سياسية ستقبل بالتغيير، وعون قال قبل ايام ان السياسيين هم الذين يحمون الفساد، ولكن عندما تخرج الثورة مطالبة بالتغيير وبإزاحة هذه الطبقة السياسية كلها، ترفع الدولة ومعظم القيادات السياسية في البلد هراوات العقاب في وجهها؟

الغريب أكثر ان يقول عون “ان التحركات الشعبية كانت ممتازة لو أكملت بعقلانية معينة، وإذا لم يأتِ الشعب بالإصلاح لا يدوم، وان من يرفع شعار “كلن يعني كلن” يكون جزءاً من هذا الكل، ولكن كيف يرى ان الذين ينادون بتغيير السياسيين الذين قال انهم حماة الفساد، هم جزء من الذين يجب تغييرهم؟

غريب ان يقول ان التحركات لم تكن عقلانية بعدما أثارت دهشة العالم وتظاهر اللبنانيون في 40 عاصمة في العالم، وقد انقضّوا عليها بالتحطيم والهراوات، ثم نال المتظاهرون نصيبهم من الرصاص المطاط وبنادق الخردق!

أوَلم يقل الرئيس ان السياسيين هم بؤرة الفساد، فكيف يضع الذين يطالبون بتغيير كل هؤلاء السياسيين في صفوف الفاسدين؟ في أي حال، ما هو أهم وأخطر طبعاً اتهام عون وزراء المال بالفساد وتلقّي الرشى من المقاولين، وان يرد عليه الوزير السابق علي حسن خليل بأن الفساد يتمثل في الحقائب المالية التي تُرسل اليه في بعبدا.

كلام خطير واتهامات اخطر، ولكنها غيمة صيف وتمضي كأن شيئاً لم يكن، وفي بلاد الديموقراطية التي يتحدث عنها عون، كان هذا كافياً ليس لنكون امام استقالات لتبرئة الذمم وتحرك القضاء، الذي يصرف وقته بمحاولة منع الإعلام والناس من التعبير عن رأيهم.

والسؤال الأصعب عليّ وعلى كل لبناني، انه عندما سأله زميلنا ريكاردو كرم: فخامة الرئيس، هل تتذكر أسماء الذين استشهدوا في انفجار المرفأ؟ قال انه يتذكر الشوارع والأحياء المدمرة، والخراب في المنطقة، وهو ما لا يكفي حتماً. فخامة الرئيس، ليس مطلوباً ان تحفظ أسماء 200 قتيل، ولكن على الأقل الملائكة الصغار الذين ماتوا ويفجرون دموعنا يومياً. اين الشهيدة الطفلة الرضيعة صوفي عاجوري إبنة الأربعة أيام، اين فراشة السماء الطفلة رافعة العلم الكسندرا نجار الذي بكاها لبنان والعالم، وأين الطالب الشاب الصغير الياس خوري ابن الـ 15 سنة الذي حمله رفاقه في نعش ابيض، وحملوا معه قلوبنا الممزقة، وأين سحر فارس مسعفة فوج الإطفاء ورفاقها الثمانية … وأين وأين صار لبنان يا فخامة الرئيس؟