//Put this in the section

علاقة فرنسا بحزب الله.. من تفجير “داركار” إلى الخضوع للابتزاز

يسود الرأي العام اللبناني حالة من الإحباط بعد مغادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للبلاد، إثر زيارة امتدت يومين، هي الثانية هذا الشهر بعد زيارة أعقبت انفجار مرفأ بيروت، أعلن فيها مساعي فرنسية لإخراج لبنان من أزمته عبر عقد سياسي جديد لبلد يعاني واقعاً اقتصاديا هو الأسوأ في تاريخه.

ماكرون الذي وصل بيروت رافعاً شعار “الواقعية” في تعامله مع الأطراف السياسية اللبنانية، أعطى إشارات كثيرة بشأن التعامل مع السلطة السياسية الحالية، كذلك، حديثه عن أن “حزب الله جزء من الشعب اللبناني”، وبالتالي كان السؤال الذي طرحه كُثر في لبنان: هل لدى الرئيس الفرنسي نية في إعطاء شرعية ما لحزب الله الذي تُصنفه دول كثيرة كان آخرها ألمانيا، على لائحة الإرهاب؟




بحسب الباحث في العلاقات الدولية والأستاذ الجامعي، نبيل الخوري، لطالما انتهجت فرنسا ديبلوماسية “التوازن” في نظرتها إلى المكونات اللبنانية، وهي ترى أن السعي في حوار طويل الأمد والمثابرة عليه حتى وإن كان غير مضمون النتائج، أجدى من المواجهة المباشرة التي تنتهجها الولايات المتحدة لاسيما تجاه ملف حزب الله.

هذا السلوك الفرنسي تجاه حزب الله والتباين في الرؤية مع الولايات المتحدة، لم يكن وليد الأزمة الحالية في لبنان، وإنما يعود إلى أولى مراحل نشأة الحزب في لبنان، التي جاءت امتداداً للثورة الإسلامية في إيران، وفي إطار تصديرها.

تلك المرحلة شهدت أول اصطدام بين الحزب من جهة، وبين فرنسا والولايات المتحدة من جهة أخرى، ومعها ظهر هذا الاختلاف في التعامل مع حزب الله ومعه الملف اللبناني عموماً، والذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

تفجير “داركار” أول المواجهات وآخرها!

اللافت، بالعودة إلى الوقائع التاريخية، أن حزب الله كان الدافع الأول للزيارات الرئاسية الفرنسية إلى لبنان منذ استقلاله عام 1943. فقبل نشأة الحزب عام 1982 لم يكن قد زار البلاد أي رئيس فرنسي، إلى أن أقدم الحزب في 23 أكتوبر 1983 على تنفيذ هجوم انتحاري على مبنى “داركار” في بيروت حيث مقر كتيبة المظليين الفرنسيين الذين وصلوا بيروت ضمن قوة دولية لحفظ السلام، وقتل 58 جندياً فرنسياً، بالتزامن مع تفجير استهدف مبنى المشاة البحرية الأميركية وأدى إلى مقتل 241 جندياً أميركياً.

وقال تقرير، نشره موقع “شفاف المتوسط” في 2013، إن القيادي في حزب الله، عماد مغنية، الذي قتل في سوريا عام 2008، كان المسؤول عن التفجير الذي استهدف المبنى، إلا أن التقارير الرسمية الفرنسية لم تذكر ذلك، كما لم تتوصل، بعد أكثر 3 عقود على الاعتداء، إلى نتائج تكشف ملابسات الهجوم.

حينها ولأول مرة بعد الاستقلال، شهد لبنان زيارة رئاسية فرنسية، قام بها الرئيس فرانسوا ميتران في الساعات التي أعقبت الهجوم استمرت لساعات، كان الهدف منها تكريم الضحايا الذين سقطوا وإعلان بقاء قواته في البلاد.

وعقبها، قصفت فرنسا لأول مرة أهدافاً تابعة لحزب الله والحرس الثوري الإيراني كانت عبارة عن معسكرات تدريب في منطقة البقاع اللبناني، وكان هذا آخر صدام بين الطرفين تبعه تاريخ طويل من الحوار والمفاوضات.

أزمة الرهائن: حزب الله ابتز فرنسا

وأقدمت مجموعات تابعة لحزب الله أبرزها “الجهاد الإسلامي” التي قادها عماد مغنية، منذ العام 1982 وحتى العام 1991 على تنفيذ سلسلة عمليات خطف في لبنان، استهدفت أشخاصا متعددي الجنسيات من بينهم 16 فرنسياً اختطفوا على مراحل وفي كل مرة كان دافع حزب الله مختلفاً وفقاً لمصلحته ومصلحة النظام الإيراني المشغل له.

في مارس 1985، اختطف حزب الله موظفين في السفارة الفرنسية، اعتراضاً على استمرار فرنسا في دعم النظام العراقي بالأسلحة في حربه مع إيران ودور فرنسا ضمن قوات حفظ السلام “اليونيفيل” جنوب لبنان.

وفي العام نفسه، اختطف الحزب الصحفي الفرنسي جان بول كوفمان وعالم الاجتماع الفرنسي ميشال سورات من أجل إطلاق سراح أنيس النقاش المعتقل ضمن فريق إيراني كان يسعى لاغتيال رئيس الوزراء الإيراني السابق شابور بختيار في باريس في يوليو 1980.

وعام 1986 اختطف الفرنسي مارسيل كودري وطاقم تلفزيوني من أربعة أشخاص، بدافع الانتقام من قرار فرنسا طرد عضوين من المنفى من جماعة الدعوة الإسلامية، وهما فوزي هرمزه وحسن خير الدين إلى العراق، إضافة إلى رفض الحكومة الفرنسية دفع ما بين 1 إلى 1.5 مليار دولار مستحقة من أيام الشاه وإمداد إيران بالمعدات العسكري فيما كانت تورد الأسلحة للعراق في حربه ضدها.

وفي العام نفسه جرى اختطاف الفرنسي كاميلي سونتاغ بالتزامن مع شن هجمات ضد الوحدات الفرنسية في اليونيفيل جنوب لبنان، وذلك في سياق مطالبة إيران بانسحاب قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان وإلغاء قرار مجلس الأمن رقم 425.

واللافت أن فرنسا لم تعد لاستخدام القوة في أي من تلك العمليات، وإنما تجاوبت مع مطالب الخاطفين (حزب الله) وحققت المصالح الإيرانية المطلوبة وبالفعل بعدها جرى الإفراج عن رهينتين فرنسيتين في يونيو 1986 إثر طرد المنشق الإيراني محمود رجوي من فرنسا من قبل الحكومة الفرنسية امتثالا لمطالب الخاطفين.

كما أفرجت فرنسا عن مبلغ 330 مليون دولار من قرض بقيمة مليار دولار لإيران، ليتم على أثر ذلك إطلاق 3 رهائن فرنسيين.

علاقة الابتزاز هذه طبعت مسار العلاقات الفرنسية مع حزب الله حتى اليوم، والتي حكمها بحسب الخوري “سلامة مصالح فرنسا في لبنان من جهة، وأمن مواطنيها وقواتها المنتشرة ضمن وحدات اليونيفيل في لبنان من جهة أخرى، والحفاظ على علاقة مع إيران تضمن لها مصالحها الاقتصادية”.

حرب نيسان 1996 وانقلاب الموقف

ينقل السفير الإسرائيلي السابق في باريس، ايلي برنابي، في مذكراته موقفاً للرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك خلال مقابلته له بهدف إقناعه بتغيير موقفه من حزب الله، واعتباره منظمة إرهابية مسؤولة عن عمليات خطف وقتل واعتداءات ارهابية داخل لبنان وخارجه.

ويقول برنابي إنّ شيراك رفض حتى مجرّد الإصغاء له، ورد عليه قائلاً: “انّ حزب الله حزب سياسي لبناني، وهو جزء من النسيج الاجتماعي والثقافي في هذا البلد، وجزء من توازنه الطائفي”.

هذا الموقف يختصر النظرة الفرنسية لحزب الله بعد الحرب الأهلية اللبنانية، وقد كان أبرز نتائجها الظاهرة، الدور الإيجابي للرئيس شيراك في إنجاز “تفاهم نيسان” في العام 1996 الذي شرع نشاطات حزب الله في جنوب لبنان في إطار “حق الدفاع عن النفس وتحرير الأرض”، وكان بمثابة انتصار سياسي وتشريع وجود
بالنسبة إلى حزب الله. والفضل في ذلك يعود إلى التسوية السياسية في لبنان التي جمعت بين حزب الله والرئيس الراحل رفيق الحريري صديق شيراك المقرب جداً.

القرار 1559 وانعطافات شيراك

حماسة الرئيس جاك شيراك للانسحاب السوري بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، لم يقابل بنوايا سورية جدية، في وقت تدهورت العلاقات بين البلدين بعد نجاح النظام السوري بفرض التجديد للرئيس اللبناني السابق إيميل لحود، وهو ما استدعى رد فعل فرنسي حاد، ودفع بشيراك للاتفاق مع الولايات المتحدة على صياغة القرار الأممي الذي يدعو لانسحاب سوريا من لبنان.

في حينها كانت الولايات المتحدة تنظر بقلق إلى تداعيات هذا الانسحاب، لكنها قبلت به في إطار تسوية مع فرنسا تلبي الطموح الفرنسي وتحقق أولوية واشنطن بنزع سلاح حزب الله، فكان القرار 1559 في 2 سبتمبر 2004.

لكن تلك الانعطافة في الموقف الفرنسي ما لبثت أن عادت إلى قواعدها الثابتة في التعامل مع الحزب، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حيث صب صديقه شيراك جل جهوده على الانسحاب السوري من لبنان وأصر رغم التغييرات السياسية التي شهدتها البلاد على إشراك “حزب الله” في الحياة السياسية في لبنان كمكون رئيسي، رغم التوتر في العلاقة الذي نتج عن القرار 1559.

يؤكد الخوري أن “فرنسا لطالما كان موقفها ثابتاً من سلاح حزب الله، تريد نزعه وتعتبره مطلباً دولياً لكن تحقيق هذا الأمر يجب أن يتم في إطار حوار لبناني ـ لبناني، أي على أساس التوافق بين اللبنانيين، وليس بالقوة التي قد تدفع حزب الله إلى مزيد من التشدد والتطرف، وفق وجهة النظر الفرنسية، وهذا ما لايزال يأخذه ماكرون مؤخراً في عين الاعتبار”.

وبالمناسبة، فإن ثاني زيارة قام بها رئيس فرنسي إلى لبنان كانت للرئيس شيراك عقب اغتيال الحريري عام 2005، والذي أثبتت المحكمة الدولية ضلوع قيادات من حزب الله بالتخطيط له وتنفيذه. حضر شيراك في 16 فبراير 2005 إلى بيروت لساعات معدودة قدم فيها واجب العزاء لعائلة صديقه الراحل.

بعد ذلك وخلال حرب تموز عاد ليطرح دولياً مطلب نزع سلاح حزب الله، ولم يتخل الرئيس الفرنسي الراحل عن سياسته الرافضة لتحقيق هذا المطلب بالقوة، تجلى هذا الموقف مجدداً خلال حرب يوليو 2006.

حيث شدد على أن حل هذه المسألة يكون سياسياً وليس عسكرياً. وهذا ما تحقق مع صدور القرار 1701 وتعزيز قوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان، وترك سلاح حزب الله كملف يجب أن يتم بحثه ضمن الاستراتيجية الدفاعية اللبنانية المنتظرة.

ساركوزي على النهج نفسه

أما ثالث زيارة شهدها لبنان لرئيس فرنسي فقد جاءت عقب الأحداث الدامية التي شهدتها بيروت في مايو 2008 المعروفة بأحداث “7أيار/مايو” حينما اجتاحت ميليشيات حزب الله وحركة أمل أحياء مدينة بيروت ومناطق من جبل لبنان إثر انفجار الخلافات السياسية مع خصومه اللبنانيين (قوى 14 آذار).

حينها أيضاً، دعا الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي من بيروت اللبنانيين إلى المصالحة والحوار بعد لقائه مع قادة 14 حزباً لبنانياً، بما في ذلك حزب الله.

سبق ذلك عام 2007 تواصل مكثف بين فرنسا والحزب في إطار الوصول إلى حل سياسي للأزمة اللبنانية، دعي حزب الله الى مؤتمر “سان كلو” الذي جمع الموالاة والمعارضة اللبنانية في العام 2007. وتبع ذلك زيارة نواب من الحزب إلى باريس، واستقبال نائب “حزب الله” علي فياض في الـ”كي دورسيه”، لكن كل ذلك لم يصل إلى نتيجة مع حزب الله.

الحرب السورية أحرجت هولاند

استمر التواصل بين الطرفين بعد انتهاء ولاية ساركوزي ووصول الرئيس السابق فرنسوا هولاند، بل وارتفع مستوى التواصل بين الجهتين حينما أوفد وزير خارجية فرنسا في العام 2013 إلى لبنان، حيث أجرى محادثات مع المكونات السياسية اللبنانية في قصر الصنوبر ومن ضمنها وفد حزب الله، في مشهد مشابه جداً
لما فعله الرئيس ماكرون مؤخراً. تبع ذلك زيارة لجان من الخارجية والدفاع في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ الفرنسيّين الى لبنان، وأجروا محادثات مع نواب لبنانيين من بينهم نواب من حزب الله. فيما نقلت وسائل إعلامية محلية عدة في حينها، أنباء عن زيارات تتعلق بالشأن السوري حصلت بين الفرنسيين وحزب الله في بيروت.

إلا أن انخراط حزب الله التام في الحرب السورية ومشاركته إلى جانب النظام السوري، أجبر فرنسا على الالتحاق في اللحظة الأخيرة بركب الدول الأوروبية التي صنفت عام 2013 الجناح العسكري لحزب الله كمنظمة إرهابية محظورة في أوروبا.

وعلى أثر تداعيات الحرب السورية على لبنان بعد تدخل حزب الله فيها، حصلت الزيارة الرئاسية الرابعة لهولاند إلى لبنان في  16 أبريل 2016، حيث كان النزوح السوري محورها في حين كان حزب الله قد بدأ بتنفيذ سياسة الضغط من أجل إعادة اللاجئين إلى سوريا.

ماكرون يخالف لوائح الإرهاب الأوروبية من أجل حزب الله!

دول أوروبية عدة من بينها بريطانيا وألمانيا لم تكتف هذا العام بإعلان الجناح العسكري لحزب الله إرهابياً بل اعتبرته ارهابياً بالكامل نتيجة نشاطاته المالية على الأراضي الأوروبية التي سعى من خلالها لتأمين تمويل لجناحه العسكري، هذا، فيما تسعى بريطانيا لمبادرة تصنف حزب الله إرهابياً على كامل الأراضي الأوروبية.

بيد أن موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جاء مخالفاً للمزاج الأوروبي عبر تأكيده في تصريح صحفي أن لفرنسا “علاقات مع الجناح السياسي لحزب الله الممثل بالحكومة اللبنانية”.

واعتبر أنه “لا يمكن لأي دولة أن تضع حزباً لبنانياً ممثلاً بالحكومة على قائمة الإرهاب”، موضحا أن “فرنسا تفرق بين الفرع السياسي لـ”حزب الله” الذي يمكن التواصل معه والفرع العسكري”.

يشرح الخوري الأسباب الحديثة للتمايز الفرنسي من ناحية الموقف من حزب الله، مؤكدا أن فرنسا لا تؤمن بسياسة ممارسة الضغط الأقصى على حزب الله، وترى أنه لن يفيد الواقع اللبناني بشيء، كذلك لن يفيد مصالحها.

“فرنسا ليست ساذجة تعرف جيداً أن لا فرق بين الجناحين العسكري والسياسي لحزب الله، ولكنها تميّز بينهما في محاولة منها للقول بأنها لا تزال تراهن على العلاقات مع إيران، وحزب الله جزء أساسي منها والباحة الخلفية لتبادل الرسائل. قد يكون لفرنسا انتقادات كبيرة لتدخل الحزب في سوريا واليمن والعراق وسياساته في لبنان، لكنها مستعدة للتعايش مع وجوده وسلاحه طالما أنه لا يتسبب بزعزعة الاستقرار والأمن في المنطقة، لاسيما إذا كانت هذه السياسة من شأنها تأمين مصالح فرنسا مستقبلا في سوريا، ومع إيران التي لا يبدو أنها ستخسر نفوذها نهائياً في المنطقة، وصولاً إلى خط إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط الذي تراهن فرنسا على لعب دور بارز فيه برضى سوري وإيراني، يقول الباحث في العلاقات الدولية.

ويختم الخوري مؤكداً أن لا رهان على الموقف الفرنسي بصدام أو طلاق نهائي مع حزب الله أو إيران وسوريا، مستذكراً النصائح الفرنسية لحلفائهم من الأحزاب المسيحية في لبنان إبان الوجود العسكري الفلسطيني، التي ترى أن الحوار مع الفلسطينيين هو الحل الأمثل، ففرنسا يضيق هامش حركتها في لبنان بوجود نزاعات مسلحة وحروب، وسرعان ما يتهدد امتدادها الديمغرافي الفرونكوفوني وهو ما يمنعها في الاستثمار في أي حرب لبنانية لتفضل الحلول المحلية على تلك المفروضة دولياً، وهذا ما يفسر موقف ماكرون الأخير من الأزمة اللبنانية.