//Put this in the section

كي لا نخسر فرصة إعادة بناء الدولة – فؤاد السنيورة – النهار

هالَني ما سمعته أنّ هناك عشرات الألوف من اللبنانيين ممّن وقّعوا عريضة للمطالبة بعودة الانتداب الفرنسي على لبنان، وهو الموقف الذي حصل انعكاساً لسَوْرة الغضب التي حلّت باللبنانيين بعد التفجير الخطير والمريب الذي حصل في مرفأ بيروت قبل شهر.

ولقد هالتني بعدها مطالبة عشرات الشباب اللبنانيين الذين التقاهم الرئيس ماكرون لدى زيارته للمناطق المنكوبة بأن تقتصر المساعدات التي تقدمها فرنسا على الجمعيات الأهلية اللبنانية. وبعد ذلك في مطالبة لبنانيين آخرين دولة الكويت بأن تتولى عبر أجهزتها المختصة عملية الإشراف على تنفيذ هبتها العينية الكريمة للبنان، وليس عبر أجهزة الدولة اللبنانية، من أجل إعادة بناء إهراءات الحبوب التي دُمّرت في مرفأ مدينة بيروت. وتجدر الإشارة إلى أنّ الصندوق الكويتي كان قد تولى في العام 1968 تمويل إنشاء تلك الإهراءات.




المواطنون اللبنانيون بشكل عام، وسكان مدينة بيروت المنكوبة، يعيشون اليوم حالةً مأساوية من الضياع، وانهيار الثقة بالدولة اللبنانية، وانحسار الأمل في المستقبل بسبب الارتباك والتخبط والقصور والتقصير الرسمي على مختلف المستويات، ولاسيما على صعيد القيادات العليا للدولة اللبنانية.

الحقيقة أنه:

“ما كانت الحسناء ترفع سترها

لو أن في هذي الجموع رجالا”

هذا الحال الذي وصل إليه اللبنانيون لم يكن إلاّ نتيجة طبيعية لذلك الانهيار الهائل في الثقة لدى اللبنانيين في حكومتهم ودولتهم، وفي العهد الذي يمثله فخامة الرئيس عون. وهو الحال الذي كان يتعاظم على مدى سنوات لينفجر بسبب أن الدولة اللبنانية قد أصبحت رهينة ومستتبعة للدويلات الطائفية والمذهبية والميليشياوية، وبالتالي أصبحت عاجزة عن القيام بالإصلاحات الاقتصادية والمالية والقطاعية والإدارية. لاسيما وأنّ تلك الدويلات مازالت تتقاسم فيما بينها وعبر الأساليب الزبائنية وممارسات الفساد والإفساد، الاستيلاء على إدارات الدولة ومؤسساتها، وعلى ولاءات العاملين فيها لتصبح ولاءاتهم للأحزاب والزعماء السياسيين الذين يعملون على تعيينهم، من دون أي اعتبار للحاجة أولاً، ودون احترام معايير الكفاءة أو الجدارة والتنافسية في التعيين ثانياً، ويقدمون لهم الحماية والتغطية لقاء قيام أولئك المسؤولين على اختلاف مواقعهم ورتبهم بتقديم الخدمات القانونية وغير القانونية لأولئك السياسيين والزعماء لاستخدامها في تعزيز مواقعهم وشعبيتهم وسلطتهم على محازبيهم وناخبيهم.

تلك الحال التي وصل إليها لبنان عشية التفجير الهائل في المرفأ، والتي أسهم في تجذرها وتضخمها انفلاش وتوسع الممارسات الشعبوية لدى تلك الأحزاب والزعماء السياسيين بما أصبح يحول دون مصارحتهم لجمهورهم حول حقيقة الأوضاع المتدهورة التي يمر بها لبنان، وإلى وجوب القيام بالإصلاحات. تلك الأوضاع كانت قد فاقمتها الحروب المتتالية التي شنّتها إسرائيل على لبنان في السنوات 1978، 1982، 1993، 1996 و2006، وما رافقها وتلاها من مصاعب وتحديات ومخاطر، وكذلك بسبب سوء الإدارة وعدم التبصر والاستعصاء المزمن والمستشري على الإصلاح، والممتنع عن ترشيق الدولة اللبنانية، والرافض لتحسين فعاليتها، لا بل والمصر على تحميلها الأعباء لا تستطيع حملها أو تحملها.

كذلك، فقد عانى اللبنانيون من تلك الممارسات، وعانت منها دولتهم واقتصادهم وماليتهم العامة بما في ذلك ما نتج عن تحمل الأعباء الهائلة للتداعيات والانعكاسات للارتدادات الهائلة للزلازل التي عصفت بعدد من الدول العربية القريبة والبعيدة خلال هذا العقد، ومنها أيضاً ما كان نتيجة التدخلات من أطراف لبنانيين فيها وتحديداً حزب الله، وهي العوامل التي أدّت بمجمله إلى تعاظم حدّة التردي والانهيار في الأوضاع العامة الداخلية والخارجية، ولاسيما الاقتصادية والمالية والمعيشية والخدماتية في لبنان.

وكالعادة، المصائب لا تأتي فرادى، فبالإضافة إلى الانهيار الحاصل في الثقة لدى اللبنانيين بالدولة وبالعهد وبالحكومة، وكذلك في الاقتصاد الوطني والمالية العامة والنقد اللبناني، والانهيار في مستوى ونوعية عيش اللبنانيين، جاءت جائحة الكورونا لتضيف همّاً على هموم، ولتأتي بعدها عملية التفجير في مرفأ بيروت لتشكل الطامة الكبرى.

وبدلاً من أن يسهم ذلك التفجير، الذي أودى بالآلاف بين قتيل وجريح ودمر جزءاً كبيراً من العاصمة، ببروز عقلية ومقاربات جديدة من أجل معالجة المشكلات والمآزق الكبرى، وتسهم في تطوير دينامية جديدة تدفع بالمسؤولين لأن يكونوا حاضرين برؤية ثاقبة وإرادة قوية وإدارة رشيدة ورشيقة وفعالة بما يمكّن الدولة من تصويب توجهاتها وتحسين صورتها باعتماد الخطط والبرامج الضرورية للقيام بالإصلاح الشامل في مواجهة الكوارث التي تنهال على لبنان، وبما يؤدي إلى ترميم واستعادة الثقة بالدولة اللبنانية ومؤسساتها لدى اللبنانيين ولدى المجتمعين العربي والدولي. وبما يمكنها من استعادة النهوض بلبنان واقتصاده وماليته العامة. وياللأسف- إذا بنا نفاجأ باستمرار تلك الممارسات، والإمعان في الاستعصاء على الإصلاح من قبل أولئك المسؤولين، وكأنّ زلزالاً لم يحصل في لبنان، وبالتالي غير عابئين بأن لبنان قد أصبح على شفير الانهيار الشامل والكامل.

إنّه وللعمل من أجل الخروج من هذا الوضع المأساوي، وبما في ذلك الشروع في إعادة إعمار مدينة بيروت، فإنه ينبغي أن يتواكب هذا الجهد مع عمل جاد ومسؤول في إعادة بناء الدولة واستعادة الثقة بها وبإداراتها ومؤسساتها.

وهذا يعني ابتعاد أولئك المسؤولين، بالفعل وليس بالقول، عن زواريب الكيدية والمصالح الحزبية والفئوية الضيّقة والعودة إلى الطريق الواسعة، أي إلى الالتزام بالمبادئ والقواعد والقيم التي قام عليها لبنان. أي إلى إعادة الاعتبار لاتفاق الطائف، وللدستور، وللدولة من أجل التأكيد على سلطتها الكاملة على جميع مرافقها وإداراتها وحدودها ومعابرها، وإلى تحصين القضاء من التدخلات السياسية، وإلى إعادة الاعتبار والالتزام بقواعد الكفاءة والجدارة والتنافسية في إيلاء المراكز في إدارات الدولة ومؤسساتها إلى أكْفائها. كذلك وفي استعادة الاحترام للشرعية الوطنية الدستورية والشرعية العربية والدولية المتمثلة باحترام جميع القرارات الدولية الصادرة ولاسيما ما له صلة بلبنان.

إنّ عدم إعطاء الأولوية لاستعادة الدولة اللبنانية لدورها وفعاليتها في عملية التصدي للكوارث التي يواجهها لبنان حالياً، وكذلك عدم التأكيد على أهمية أن يتواكب هذا الجهد مع عملية إعادة بناء بيروت، هو منطق أعوج يستفيد منه أهل الدويلات الذين يريدون استمرار سلطتهم وتسلطهم على الدولة وعلى اللبنانيين، ويحول في المحصلة دون استعادة النهوض الوطني والاقتصادي والمعيشي للبنان واللبنانيين.

ويطيب لي هنا أن استشهد بمقارنة بسيطة تتعلّق بتجربة لبنان في إدارة الكوارث، والتي حلّت عليه عندما اجتاحته إسرائيل في العام 2006، ولاسيما في ظل الأجواء الدولية التي كانت تُحَمِّلْ لبنان آنذاك المسؤولية عما حدث.

لقد كان على الحكومة في حينها أن تجمع اللبنانيين وتعزز الوحدة والتضامن فيما بينهم وان تؤكد على احتضان بعضهم بعضاً.

ولقد استطاعت الحكومة اللبنانية في خضم تلك الظروف والأوقات الصعبة والحرجة، أن تجمع عناصر عدة كانت أساسية في تحقيق النجاح. فمن الدور الوطني والبسالة والتضحيات الجمَّة لأفراد المقاومة الذين تصدوا للعدوان الإسرائيلي، إلى جانب ما تمتعت به الحكومة آنذاك من رؤية واضحة، وثبات وقدرة قيادية، واعتمادها لبرامج تنفيذية تميّزت بالصدقية، والحرص على تعزيز صمود اللبنانيين حتى يتوقف صوت المدافع إلى اتخاذ الحكومة للقرار الشجاع القاضي بعودة الجيش اللبناني إلى الجنوب، وإلى الثقة بها التي نجحت في إرسائها لدى اللبنانيين ولدى المجتمعين العربي والدولي بما مكّنها من الحصول على التأييد والدعم والمساعدة.

وفي المحصلة، فقد نجحت الحكومة في منع إسرائيل من الانتصار، وذلك كلّه ما أسهم في إقدار لبنان على التوصل للقرار الدولي 1701، وبالتالي في تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من لبنان.

لقد نجحت الحكومة آنذاك في موقفها المتضامن مع شعبها على اختلاف مشاربهم وفي أصعب الظروف. ففي صباح اليوم الثاني للعدوان، تحولت السراي الكبير إلى غرفة عمليات مفتوحة على مدار 24 ساعة في اليوم، حيث أشرفت الحكومة عبر أجهزتها وبمساعدة مؤسسات المجتمع المدني اللبناني وكذلك العربي والدولي على إغاثة النازحين وتدبير إقامتهم. كما أنها، وبعد ذلك، وفي اليوم الثاني لوقف الأعمال العدوانية الإسرائيلية على لبنان تحولت تلك الجهود نحو تسهيل العودة الآمنة والشريفة للبنانيين النازحين إلى قراهم وبلداتهم بالسرعة الفائقة عبر فتح الطرقات وترميم البنى التحتية والجسور، وتقديم الخدمات اللازمة لتيسير إعادة الحياة الطبيعية للبنانيين القاطنين في تلك المناطق. وحيث سارعت الحكومة إلى وضع الآليات التنفيذية لتمويل عملية إعادة الإعمار بما مكّن المتضررين من مباشرة ترميم وإعادة إعمار منازلهم المهدومة والمتضررة. وحيث تولت الهيئة العليا للإغاثة وبالتعاون مع البلديات ومع هيئات المجتمع المدني ومع المانحين اللبنانيين والعرب والدوليين في اعتماد الآليات المرنة التي جعلت من الممكن لكل من كان يريد المساعدة وبأي شكل يناسبه، أن يقوم بذلك بالفعل وبدون تردد، لليقين بأن الإسهامات ستصل إلى مستحقّيها.

وفي هذا الإطار، عمدت الهيئة العليا للإغاثة إلى:

1- إشراك أكبر عدد ممكن من الأفراد ومن الجمعيات ومن الدول الشقيقة والصديقة من خلال اعتماد أسلوب التبني، بحيث يحق للمتبني أو الجهة المانحة، الانتقاء من بين الخيارات المختلفة المتاحة التي تمكّنه، وبالطريقة التي تلائمه، من المساعدة على إعادة بناء البناء أو المرفق أو الجسر المدمَّر أو القرى المدمرة أو المشاريع المطلوب إعادة إعمارها.

2- اعتماد أسلوب أن يتولى صاحب المنزل أو البناء المدمر أو المتضرر في إعادة البناء أو الترميم، وذلك بعد أن يُصارَ إلى تخمين كلفة إعادة البناء وبناء لقواعد محددة، بحيث يُصارُ إلى تمكين المواطنين من البدء بإعادة البناء باعتماد نظام الدفعة الأولى، وعلى أن يتم تنفيذ الدفعة الثانية في ضوء قيام المتضرر بتنفيذ الجزء الأول من إعادة البناء والترميم. ذلك ما شجّع أصحاب الأبنية المدمرة او المتضررة على المباشرة السريعة بإعادة البناء على مسؤوليتهم استناداً إلى الدعم المالي المحدد لحالته.

ولقد أطلقت تلك السياسات التي اعتمدتها الحكومة حركة إعادة البناء والإعمار على نطاق واسع. ذلك ما استدعى منسق الأمم المتحدة السيد ديفيد شيرير الذي تولى أعمال الإغاثة من الكوارث في عشرة بلدان قبل أن يتولى تلك المسؤولية في لبنان بقوله: “قمت برحلة إلى الجنوب بعد انقضاء خمسة أسابيع على وقف الأعمال العدوانية على لبنان، فدهشت لرؤية الأشواط التي قطعتها عملية إعادة الإعمار في لبنان”. ذلك مما مكّن الدولة اللبنانية، وعلى سبيل المثال، أن يبدأ العام الدراسي في جميع المناطق اللبنانية في وقت واحد وفي مطلع تشرين الثاني من العام 2006.

لم يحصل التخلي عن الدولة في حينها بل على العكس، فقد أثبتت الدولة اللبنانية في حينها القدرة على اكتساب ثقة ودعم اللبنانيين والدول الشقيقة والصديقة، وهو ما تمكنت الحكومة من الحصول عليه من خلال مؤتمر روما ومؤتمر وزراء الخارجية العرب في بيروت، ومؤتمر ستوكهولم في آب 2006، ومؤتمر باريس-3 في كانون الثاني 2006، ومؤتمر فيينا في أيار 2008، والتي حصل لبنان بموجبها على مساعدات فاقت العشرة مليارات دولار على شكل هبات وقروض وتسهيلات ائتمانية وودائع في مصرف لبنان. ولقد مكّن ذلك لبنان في حينها أن يستعيد نموه الاقتصادي الذي امتد على مدى السنوات 2007- 2010 في معدلات نمو سنوية كانت في حدود التسعة بالمائة سنوياً، وتحقيق فوائض سنوية استثنائية وكبيرة في ميزان المدفوعات على مدى تلك السنوات، وكذلك في تحقيق انخفاض كبير في نِسَب الدَين العام إلى الناتج المحلي.

ما كان من الممكن أن يتحقق هذا كلّه لو لم تكن الحكومة اللبنانية آنذاك على قَدْر المسؤولية في جمع كل عناصر القوة التي تكونت لدى الشعب اللبناني وتوظيفها بما يعزز الثقة لدى اللبنانيين والمجتمعين العربي والدولي بالدولة اللبنانية وبالإدارة والقدرة على التغلب على المصائب.

إنّ هذه النكبة الكبرى التي أصابت بيروت وأصابت لبنان جدير بها ان تشكّل واقعاً ومهمازاً يحرك ضمائر المسؤولين باتجاه الارتفاع إلى المستوى الذي تقتضيه مواجهة هذه المصيبة التي ألمّت بلبنان واللبنانيين، ومن أجل العودة إلى اعتماد السياسات والمقاربات والممارسات الحكومية بطريقة مسؤولة تمكّن من استعادة الدولة اللبنانية من خاطفيها، وبالتالي استعادة الثقة بها لكي تتمكن من استعادة النهوض للبنان الوطن وللبنانيين.

ما عاد هناك عذر من أي نوع من أجل النهوض بالدولة، إذ ليس للبنانيين وفي كل الظروف إلاّ الدولة. اللبنانيون ينتظرون جميعاً الدولة مسؤولية وإدارة، وهي تُقبل على إعادة الإعمار لبيروت، لوقف الانهيار الاقتصادي والمالي والمعيشي، واستعادة ثقة اللبنانيين، وثقة العرب والدوليين من أجل علاقات التعاون والحماية والرعاية. إنّ ثقة اللبنانيين بالدولة وإدارتها وفعاليتها وحوكمتها هي الأساس في التمكن من القيام بالواجبات والمهمات الوطنية الكبرى، والتي تشكّل فرصةً وتحدياً يتعلقان على نحوٍ وثيق بحاضر لبنان ومستقبله. فهل مَنْ يسمع ويتصرف؟