//Put this in the section
مروان اسكندر - النهار

خطابات المئوية الرسمية – مروان اسكندر – النهار

بادر الرئيس ميشال عون الى مخاطبة اللبنانيين مساء الاحد المنصرم في شأن مغزى احتفال المئوية، وكانت كلمته شاملة وقد اعلن فيها بصوت واضح وقوي مناصرته لمفهوم الدولة المدنية والغاء الطائفية، وهذا ما شدد عليه رئيس المجلس النيابي نبيه بري الاثنين الماضي.

واضافة الى كلمة رئيس الجمهورية المشار اليها أعلاه، ظهر في مقابلة تلفزيونية مع الاعلامي ريكاردو كرم متحدثاً بلهجة هادئة والى حد ما مقنعة، حتى فاجأه محاوره بسؤال عن سبب فشل سياسة الكهرباء التي اشرف عليها النائب والوزير جبران باسيل، فأجابه الرئيس عون: كيف للوزير ان ينجح حينما لا تتوافر لديه الاموال المطلوبة؟




هذا الجواب يعني ان الرئيس عون تناسى ان الوزير باسيل حظي بمخصصات توازي 1.2 مليار دولار منذ عام 2012، وانه لم ينجز سوى بعض الإصلاحات البسيطة والتي لا تستوجب مراجعة من سلطات الرقابة.

كما ان الرئيس عون تغاضى عن عرض الصندوق الكويتي لتمويل حاجات لبنان لانتاج الكهرباء بأسعار معقولة وبفائدة تشجيعية لا تزيد على 2% سنويًا شرط ان يشرف الصندوق على الإنفاق والتشغيل كما فعل في بلدان عدة، لكن الوزير باسيل رفض العرض وقال للوفد الكويتي: “لديّ كل المال الذي احتاجه في جيبي”.

ماذا فعل باسيل في مسألة معالجة ازمة الكهرباء؟ أنفق اكثر من 700 مليون دولار على تصليحات بسيطة كان القصد منها زيادة طاقة الانتاج في المعامل المتقادمة وخفض التلوث، وعقد اتفاقا مع شركة قبرصية يونانية لإنشاء محطة لانتاج 450 ميغاواط على مقربة من المحطة التي انجزها الرئيس رفيق الحريري في الشمال قبل بداية القرن الحادي والعشرين. أما المحطة المتفق عليها منذ عام 2013 فلم تنفذ لاسباب عدة ليس بينها سبب مقنع.

ما فعله الوزير باسيل هو التعاقد مع محطتين عائمتين عام 2013 لانتاج الكهرباء ولا يزال العقد قائمًا، وتكاليف الباخرتين، من دون احتساب حاجتهما الى المازوت الذي تسدد الوزارة ثمنه، تجاوزت الـ1.1 مليار دولار.

الاهم من كل ذلك ان عجز الكهرباء كان يموّل بقروض من الدولة غير مدرجة في الموازنة، والمسؤول عن ضبط ارقام الموازنة كان ولا يزال رئيس لجنة المال والعضو البارز في “التيار الوطني الحر” النائب ابرهيم كنعان الذي لم يتمكن في أي من السنوات الثماني المنصرمة من ضبط العجز ضمن النسبة الملحوظة في دراسات الموازنة.

الرئيس عون لم يحتسب التحويلات التي انجزت لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان، والتي بلغت ما بين 2009 و2019 اكثر من 40 مليار دولار سُددت من قروض مقابل سندات خزينة لم ينخفض معدل فوائدها عن 6.5%، وبالتالي اذا اضفت الفوائد الى اصل المبالغ المسددة نقدًا لمصلحة كهرباء لبنان تصبح نسبة الدين العام الناتجة من حاجات الكهرباء 65 – 70% من كامل الدين العام. وبحسب تقديرات البنك الدولي فان قضية عجز الكهرباء خفضت معدل نمو الدخل القومي 2.5-3% سنويًا منذ عام 2012، فاذا اضفنا هذه الخسارة الى الخسارة النقدية تصبح كلفة الكهرباء اكثر من 75% من الدين العام، والامر الاكيد الذي لا مجال لمناقشته هو ان هذه الكلفة تسببت بتبخر الاحتياط من النقد الاجنبي وبالازمة الاقتصادية والمالية التي نشهدها.

لقد شاء الرئيس عون بكلام لطيف إبعاد مشكلتنا الاقتصادية والمالية عن الاخفاق المتمادي في مؤسسة كهرباء لبنان منذ تسلم ادارتها مباشرة او عبر الوزراء الذين اختارهم الوزير جبران باسيل.

وإلى تراكم الاخفاقات في معالجة قضية الكهرباء وضرورة تأمينها بتكاليف معقولة، كان هنالك تشاوف من وزراء، والمثل التالي ربما يوفر افضل صورة عما نقول. لدى زيارة المستشارة الالمانية أنغيلا ميركل للبنان بعد زيارتها لمصر للاحتفال بتشغيل 15000 ميغاواط من محطات كهرباء أنجزتها شركة سيمنز خلال سنتين، شجعت مديري الشركة على عرض تأمين محطتين لانتاج الكهرباء بطاقة 3000 ميغاواط خلال سنتين واحتساب الكلفة على ادنى مستوى ممكن وتأمين التمويل لـ20 سنة بفائدة 2%.

ماذا كان رد فعل الوزير المعني وقتذاك المهندس سيزار ابي خليل؟ لقد قال للمدير العام لشركة سيمنز بعد استماعه للعرض: “نحن طورنا في لبنان وسائل لإدارة شؤون الطاقة تتجاوز في فعاليتها ما حققتم في المانيا”. فردَّ عليه رئيس الشركة بسؤال: حضرة الوزير، هل يمكن ان تعطيني اسم مؤسسة تدريب الفنيين لديكم لأرسل 100 متدرب الماني؟

الجواب كان السكوت وانهاء المحادثات قبل التعمق في التفاصيل. وبعد مغادرة المسؤول الالماني، واستشعار ميركل ان الادارة اللبنانية لموضوع الكهرباء مهترئة، بادر الوزير أبي خليل الى مراسلة رئيس سيمنز طالباً منه ارسال العرض وتفاصيله، فكان الرد للوزير العظيم: نحن لسنا مهتمين بالتعاون معك او العمل في لبنان، وعليكم تركيز معارفكم الكبيرة لمعالجة قضية صغيرة لم تتمكنوا من حلها مدى عشر سنين.

الدول المهتمة بمساعدة لبنان كما الهيئات الدولية والاقليمية مثل البنك الدولي، وبنك الاستثمار الاوروبي، وصندوق النقد الدولي، والمصرف المركزي الاوروبي، كلها متفقة على ان مساعدة لبنان ماليًا واداريًا لن تبصر النور في غياب برنامج لإصلاح الكهرباء، وبخاصة الهيئة الناظمة للإشراف على اعمال الوزير، لا العكس، كما هو مقترح، وكذلك برنامج لإصلاح خدمات الهاتف الخليوي، وشبكة الانترنت. ويؤكد الاوروبيون والاميركيون ان أي اقتصاد يسعى للنجاح في القرن الحادي والعشرين يجب ان يؤمن خدمات الهاتف بتكاليف معقولة واعتمادية مستمرة، كما خدمات الانترنت.

يشار الى ان وزير الاتصالات سابقا النائب نقولا صحناوي عدّل شروط العقود مع الشركتين المشغلتين لخطوط الهاتف الخليوي بحيث يحفظ لنفسه دور تعيين الموظفين الذين يتقاضون رواتبهم من الشركتين مقابل احتساب هذه الرواتب وكأنها تكاليف تشغيل.

هل شهد العالم ترتيبا كهذا لتوزيع المسؤوليات، وحصر التقني بالمشغّل، وتعيين الموظفين في الدولة؟

بالتأكيد كلا. الرسالة واضحة، ممثلو “التيار الوطني الحر” تسببوا بخسائر في مجال توليد الكهرباء ناهزت 65-67 مليار دولار (مع احتساب الاصل والفوائد) وتفويت عائدات من تشغيل الهاتف الخليوي والانترنت على مستوى 250-300 مليون دولار.

وبعد كل ذلك تطالبون باستمرار تحكمكم بالشأن اللبناني؟