//Put this in the section
راجح الخوري

Mission impossible؟ – راجح الخوري – النهار

فور نزوله في بيروت، غرَّد الرئيس إيمانويل ماكرون واصفاً الحكومة الجديدة التي يجب تشكيلها، بأنها “حكومة المهمة”، ولكن ما هي هذه المهمة ومن وضعها وحدد عناصرها؟

طبعاً لم يكن المسؤولون في لبنان يتحدثون عن حكومة مهمات، بل كانوا غارقين كالعادة في الخلاف على حكومة إختصاصيين يأتون كالعادة بالنيابة عن الصف السياسي، او عن حكومة يتمثل فيها كل الافرقاء السياسيين، ويتم تجميل وجهها بإسباغ صفة حكومة وحدة وطنية عليها. ولكن قبل وصول ماكرون المرة الثانية الى بيروت، كانت قد سبقته رسائل ساخنة جداً الى المسؤولين على كل المستويات، مفادها ان اللعبة انتهت، ولم يعد مقبولاً ان يواصل لبنان الإنهيار الذي يمكن ان يقوده الى حرب أهلية جديدة، ليس هناك مَن يقدر على تحمّل نتائجها، لا في لبنان ولا في المنطقة ولا حتى في أوروبا، التي تخشى من تدفق موجات جديدة من اللاجئين السوريين الى شواطئها الجنوبية.




عملياً، كانت الأجواء تشي بأننا سنعود الى قصة مشاورات رئاسية تسبق التكليف تسهيلاً للتأليف، وقد أعلِن عن هذا علناً، ثم فجأة تغيّر كل شيء. صار السياسيون حماة الفساد في رأي الرئيس ميشال عون، الذي قال لصحيفة “الفيغارو” إنه يتفهم موجة الغضب التي تهز البلد منذ اشهر، حيث ان الغضب يرتفع بحق الطبقة السياسية اللبنانية بمكوناتها كافة، وهذا الكلام يوازي شعار الثوار المنتفضين منذ تشرين الأول الماضي، الذين يصرخون “كلن يعني كلن”، أي كل السياسيين والمسؤولين!

وفجأة تُجرى الإستشارات الملزمة ويسمّى مصطفى اديب رئيساً مكلفاً بأكثرية 90 صوتاً، رغم ان هناك في الصف النيابي مَن لا يعرفون عنه شيئاً، ثم يهبط ماكرون متحدثاً عن “حكومة المهمة”، وسرعان ما يتبيّن سواء مما نشرته “الفيغارو” وما قاله ماكرون الى “بوليتيكو”، ان المهمة تم التفاهم على خطوطها الأساسية بين ماكرون والرئيس الاميركي دونالد ترامب ونالت موافقة أوروبية وتشجيعاً عربياً، ولكن الأصول تقضي بأن لا يتم إنزالها بالمظلة الفرنسية كفرض على السياسيين اللبنانيين، الذين وُضعوا سراً على مستويات عليا انهم امام واحد من اثنين: إما الموافقة على “المهمة”، وإما ان يتعرضوا لسلسلة من العقوبات القاسية، لا تتوقف عند منع حصول لبنان على أي دولار، بل تصل الى تجميد ارصدة المسؤولين وودائعهم وتحركاتهم على أعلى المستويات. وامام صدمة هذا التحوّل، جرى التأكد عبر اتصالات سريعة بين بيروت وباريس من صحة الأمر، لا بل تردد ان الروس ايضاً يوافقون على ضرورة قلب الصفحة السياسية التي تدمر لبنان!

طبعاً لا داعي هنا الى التذكير او إعادة ما قاله ايمانويل ماكرون صراحة امام الصحافيين، وقيل انه قاله وبحزم على مسامع الطاولة التساعية التي جمعته مع ممثلي القوى السياسية في قصر الصنوبر، ذلك ان الأمر كان اشبه بإنذار صريح: “سأغيّر مساري. ان الشهور الثلاثة المقبلة ستكون حاسمة في ما يتعلّق بتحقيق التغيير في لبنان، وإذا لم يحدث تغيير فقد يترتب على ذلك فرض إجراءات عقابية. ان الاجراءات تلك يمكن ان تراوح ما بين وقف المساعدات والإنقاذ المالي وبين فرض عقوبات على الطبقة الحاكمة”!

صحيح انه تمّ تلطيف هذه الكلمات امس، ولكن هل كانت “الفيغارو” لتنشر ما نشرته متضمناً أسماء واضحة، عشية وصول الرئيس الفرنسي الى بيروت وهو الذي قال ايضاً كلاماً مشابهاً الى “بوليتيكو”؟ طبعا لا، لكن الأهم هل سيقوم المسؤولون اللبنانيون بتنفيذ “المهمة” التي يراها البعض مستحيلة، وهي التي تتألف من المراحل الآتية:

تشكيل حكومة من الاختصاصيين غير الحزبيين او الذين ينتدبهم السياسيون – الانخراط في عملية جادة للإصلاح تم تحديد بنوده من الكهرباء الى الاتصالات الى كل قطاعات النهب والسرقة – وضع قانون جديد للإنتخابات – إجراء انتخابات مبكرة من شأنها عملياً ان تقلب الصفحة السياسية الفاسدة.

قد تكون هذه “مهمة مستحيلة” بالنسبة الى الكثيرين، رغم اننا استمعنا اليهم امس بعد الإستشارات يتحدثون بحياء ولطف وكأنهم من تلامذة البيزنسون!