//Put this in the section

مصطفى أديب رئيس وزراء جديد أمْ مجرّد “باش كاتب”

صلاح تقي الدين – العرب

فجأة وبقدرة قادر ومن دون مقدمات، سقطت كل الفيتوات التي كانت تحوم حول الأسماء العديدة المرشحة للتكليف بتشكيل الحكومة اللبنانية العتيدة، ورست القرعة على سفير لبنان لدى ألمانيا مصطفى أديب مرشحا شبه وحيد لتولي هذه المهمة، بعدما نال الشرط الرئيس وهو قبول ورضى زعيم “تيار المستقبل” الرئيس سعد الحريري “الزعيم” الأكثر تمثيلاً للسنة في لبنان، وتزكية الثنائي الشيعي، ولا مغالاة في القول إن الشرط الأخير كان الأكثر تأثيراً.




أسماء عدة ‏كانت قد سرّبت خلال الأيام الماضية، بعضها لم يكن سوى بالون اختبار، وإن كانت تلتقي مع مطالب رفعها الثوار في الـ17 من أكتوبر الماضي، غير أن ما بدا واضحاً هو أن الاستشارات النيابية الملزمة التي كان يفترض برئيس الجمهورية ميشال عون المسارعة في الدعوة لإجرائها فور استقالة حكومة حسان دياب، تأخرت في تكرار لما فعله عقب استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري السابقة، فأجرى ما أسماها مشاورات “التأليف” قبل “التكليف” لضمان حصته وحصة صهره جبران باسيل في الحكومة العتيدة، في مصادرة واضحة لصلاحيات رئيس الحكومة المكلّف السنّي وضارباً عرض الحائط بالأعراف والدستور وحاشراً أبناء الطائفة السنية في الزاوية قبل أن تعلو الأصوات المعترضة على هذه الممارسة.

لامبالاة

عون الذي لم يأبه سابقاً لأيّ من الأصوات المعترضة على طريقة ممارسته وصهره للسلطة، لم يكن ليبالي بكل الاعتراضات الحالية لولا الضغوط التي يبدو أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مارسها عليه وعلى باسيل، فانصاع “حياء” ودعا لإجراء الاستشارات النيابية في وقت كانت ماكينات حزب الله والرئيس نبيه بري تنشط سراً وعلناً من أجل التوافق على اسم يجري تكليفه قبل وصول الرئيس ماكرون إلى لبنان مساء الاثنين الماضي متمسكين باسم الحريري باعتباره المرشح الأوّل أو أيّ اسم يختاره ويحظى بدعمه ليبنوا على الشيء مقتضاه.

وفجأة وقبل ساعة من اجتماع رؤساء الحكومات السابقين للإعلان عن ‏الاسم الذي اختاروه، بدأت معظم التسريبات الإعلامية تشير إلى اسم أديب في إشارة ضمنية إلى أن القرار بالتسمية لم يعد يتخذ من قِبَلِهِمْ فقط، بل أصبح مصادراً من قبل الثنائي الشيعي الذي يعتبر ‏نفسه الشريك الأساسي في القرار، والدليل أن هذا الثنائي ظل يرفض حتى اللحظة الأخيرة اسم السفير نواف سلام المقبول من شريحة كبيرة من اللبنانيين وبالأخص من “الثوار” ناهيك عن الأحزاب الحليفة للحريري مثل القوات اللبنانية والتقدمي الاشتراكي.

من أهل البيت

اللبنانيون ينتظرون من أديب تحضير مشروع قانون انتخابي جديد يكون محوره لبنان دائرة واحدة، أو العودة إلى المحافظات الكبرى، خارج القيد الطائفي

اللبنانيون ينتظرون من أديب تحضير مشروع قانون انتخابي جديد يكون محوره لبنان دائرة واحدة، أو العودة إلى المحافظات الكبرى، خارج القيد الطائفي

لا شك بأنّ الأصوات المعترضة على أسلوب وطريقة إدارة السلطة الحاكمة الممسوكة بكلّ مفاصلها من قبل حزب الله قد فرضت طريقة إدارة الاستشارات النيابية المفترض أنها ملزمة يدعو إليها وفق الدستور رئيس الجمهورية ليستطلع آراء النواب ويلتزم بالاسم الذين ينال أكثرية أصواتهم ليكلفه بتشكيل الحكومة العتيدة، وإذا كان ذلك قد تجلّى فمن خلال البيان واضح الكلمات والمعاني الذي أصدره النائب نهاد المشنوق الذي لم يراوغ أو ينمّق كلماته فقال بكل صراحة “لقد انتظرتُ حتى اللحظة الأخيرة لكي أسمع رأْيَ وقرار أهل الحلّ والربط من رؤساء الحكومة السابقين، لأتبين مدى حرصهم على ما تبقّى من رئاسة مجلس الوزراء، في الجدارة والفعالية والضمانة للحقوق والحفظ للكرامة، كرامة الموقع والطائفة والبيئة الوطنية، والدستور. وهي، كما يعلم الجميع، سِمات وضرورات لم يتبقّ منها أصلاً غير الشيء اليسير. وبصراحة لم أُفاجأ بتسمية السفير مصطفى أديب، لأنها النتيجة الطبيعية للمسار الذي تحكَّم بالموقع والطائفة والوطن منذ العام 2011 حتى اليوم، وهذا إذا اعتبرنا أنّ اليومَ هو الآخِر وليس الأخير”.

وأضاف المشنوق “إنّ التزام نادي رؤساء مجلس الوزراء بالموافقة المسبقة للتحالف الحاكم وتحديداً حزب الله باسم الرئيس المكلَّف، يشكّل تخلياً عن الأمانة الوطنية التي وُضعت بين أيدي الذين ائتُمنوا عليها”.

لكن من هو أديب الذي كلّف بتشكيل الحكومة وتبقى العبرة قدرته على تأليفها؟ منذ الـ18 من يوليو 2013، يشغل الرجل منصب سفير الجمهورية اللبنانية لدى جمهورية ألمانيا الاتحادية، وحصل على درجة الدكتوراه في القانون والعلوم السياسية، وقد بدأ حياته المهنية كمدرس للقانون الدولي العام والقانون الدستوري والجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية في جامعات مختلفة في لبنان وفرنسا. وفي العام 2000، بدأ التدريس في الكلية الحربية، وأصبح أستاذاً متفرّغاً في الجامعة اللبنانية.

كما أن أديب هو رئيس الجمعية اللبنانية للقانون الدولي والجمعية اللبنانية للعلوم السياسية وعضو في جمعية خريجي الجامعات الفرنسية، والجمعية العربية للعلوم السياسية، والجمعية الدولية للقانون الدستوري، والمرصد من أجل السلم الأهلي الدائم. تولّى منصب مستشار رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي منذ العام 2000 وحتى تعيينه سفيراً وظلّ مقرّباً منه. وفي عامي 2005 و2006 مثّل ميقاتي كرئيس حكومة أمام اللجنة الخاصة المكلفة بوضع قانون الانتخابات الجديد. وهو متأهل وزوجته فرنسية فلافيا داماتو وله خمسة أولاد.

واستناداً إلى مواقع إعلامية، فإن تسمية أديب فرنسية بامتياز. فالفرنسيون يعرفونه ويتعاملون معه بوصفه من “أهل البيت”، لاسيما أن والد زوجته مقرّب جداً من قصر الإليزيه.

أديب يعدّ مرشحاً تسووياً، لأنه ليس مستفزا لأحد على الصعيد الشخصي، ولا يملك زعامة مستقلة يمكن أن تشكل خطرا على أحد

أديب يعدّ مرشحاً تسووياً، لأنه ليس مستفزا لأحد على الصعيد الشخصي، ولا يملك زعامة مستقلة يمكن أن تشكل خطرا على أحد

ويعتبر أديب مرشحا تسوويا لأنه ليس مستفزا لأحد على الصعيد الشخصي، ‏ولا يملك زعامة مستقلة يمكن أن تشكل خطرا على أحد، ومع أنه ليس بيروتيا، لكنه  يملك شبكة علاقات ‏داخلية وخارجية مقبولة من خبرته في إدارة  مكتب الرئيس ميقاتي، كما من ‏عمله الدبلوماسي‎.

غير أن الساعات الأولى بعد تسميته رئيساً مكلفاً لم تعط الرجل ما كان يتوقعه؛ قبولاً شعبياً وفرصة يستطيع من خلالها إثبات قدرته على تنفيذ الإصلاحات أولاً وثانياً وثالثاً، والتصدي لجشع وتدخلات جبران باسيل في الصغيرة والكبيرة في سائر الوزارات “الدسمة”، كما وهذا هو الأهم، إدارة دفة العلاقات الخارجية للحكومة صوب العمق الطبيعي لها في العالم العربي وعدم الارتهان لقرارات حزب الله التي نجحت حتى اليوم في تحويل الوجهة اللبنانية “شرقاً” والانضمام بغير رضا غالبية اللبنانيين إلى محور بعيد عن عاداتهم وتقاليدهم وانتمائهم.

فربما كانت بناء على نصيحة تلقاها من مقربين أو مستشارين، تفقّد أديب المنطقة المنكوبة نتيجة انفجار الرابع من أغسطس الماضي في الجميزة ومار مخايل، غير أن أهالي المنطقة الذين كانوا منهمكين في لملمة جراحهم وأرزاقهم لم يرضوا بهذه الزيارة فواجهته مجموعة من الناشطات والناشطين وطلبوا منه مغادرة المنطقة، “لأننا ما بدنا ياك”.. مرددين “نحن لا نريدك، أنت منهم”.

وقد نشر أديب على حسابه على تويتر مقطع فيديو يظهر محاولة طرده من الجميزة اثناء تفقده الأضرار التي نجمت عن انفجار مرفأ بيروت، وعلق على المقطع قائلاً “أتفهّم و برحابة صدر غضب الشارع اللبناني المضطهد من السلطة الفاسدة، وأتعهّد باتخاذ قرارات غير مسبوقة ببند محاربة الفساد، و لتكن صرخة هذه السيدة محفزًا ودافعًا لنا جميعًا نحو لبنان جديد”.

هذا الكلام، أيضاً، كان لسان حال رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، الذي أغدق على اللبنانيين وعوداً وتواريخ إنجازات كانت قمتها تفجير العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت، وربما سيلي ذلك توثيق إنجازاته في رئاسة الحكومة كتاب شبيه بذلك الذي وضعه بعد مغادرته وزارة التربية والتعليم العالي عندما تولاها في العام 2011 في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، فكان عبارة عن صور مناسبات شارك فيها وكلمات ألقاها خلالها تولى كثر غيره كتابتها نيابة عنه وتمرّن على إلقائها.

ماذا بعد تكليف أديب؟

سيناريوهات عديدة بدأت ترسم غير أن أبرزها أن أديب لن يكون سوى رئيس لحكومة مؤقتة تستمر في حال نجاحه بتشكيلها، لعدة أشهر بهدف القيام ببعض الإجراءات الإصلاحية السريعة التي تهدف إلى إكمال المفاوضات مع ‏ صندوق النقد الدولي وإنقاذ لبنان.‏ والمهمة الثانية ستكون تحضير مشروع قانون انتخابي جديد سيكون محوره لبنان دائرة واحدة أو العودة إلى المحافظات الكبرى لكن خارج القيد الطائفي، وهو ما ألمح إليه الرئيس نبيه بري في كلمته بمناسبة الذكرى الـ42 لتغييب الإمام موسى الصدر، والإشراف على تنظيم انتخابات نيابية مُبكّرة.‏

وتتزامن هذه المهمات مع ما طرحه الرئيس الفرنسي في زيارته الأولى بعد انفجار المرفأ حين دعا إلى صياغة نظام سياسي جديد للبنان وتشديده لاحقاً على خطر مواجهة لبنان لـ”حرب أهلية”، ثم استعداد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله للبحث في صيغة “عقد سياسي جديد”، ودعوة الرئيس عون إلى قيام “دولة مدنية”، ناهيك عن عوة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي إلى “حياد” لبنان، كل هذه الطروحات التي تحتاج إلى حوار داخلي وربما خارجي يأمل اللبنانيون أن يجري على “البارد” وليس على “الساخن”.

لكن وفقاً للمثل الشعبي “مين جرّب المجرّب كان عقله مخرّب”، فهل سينجح أديب في مواجهة التحديات الكثيرة والظروف غير الاعتيادية التي يمرّ بها لبنان وتتلخّص على الأقل بجشع جبران باسيل ونهمه، وهيمنة حزب الله وسيطرته، ومطالب الشارع الثائر، أم أنه سيكون نسخة منقّحة عن حسان دياب إلى أن يأتي الله بأمر كان مفعولاً؟

هل سيستعيد أديب “قيمة” الموقع الدستوري التنفيذي الذي يمثله رئيس مجلس الوزراء وفقاً لدستور الطائف؟ أم أنه سيبقى أسير “جدول أعمال” يطلع عليه بعدما يكون “صاغ” بنوده مستشارون ”رئاسيون”؟ وعليه أن “يبصم” على ما ورد فيه فتعقد 80 في المئة من جلسات الحكومة في القصر الجمهوري ويكون خلالها بمثابة “باش كاتب”؟