//Put this in the section

مَن يضع يده على قلبه لئلا تتكرّر تجربة حكومة دياب؟

أحمد عياش – النهار

ما زال الكثير يتردد حول الظروف التي أدت إلى تلاقي المواقف على ضفتيّ 8 ومعظم 14 آذار السابقة ما سمح بولادة إسم الرئيس المكلف الدكتور مصطفى أديب. وهناك معطيات سبقت هذا التلاقي تنطوي على أن فرصة ولادة حكومة جديدة تختلف عن سابقتها التي حملت صفة حكومة “حزب الله” ما زالت محفوفة بالتساؤلات التي تجعل احتمال ولادة سريعة للحكومة العتيدة أمراً غير مضمون.




في معلومات لـ”النهار” من أوساط رافقت مرحلة التكليف قبل حسمها الاثنين الماضي، إن الثنائي الشيعي كان ضاغطاً حتى آخر مرحلة سبقت قرار رؤساء الحكومات السابقين تسمية سفير لبنان في ألمانيا رئيساً مكلفاً من أجل قبول الرئيس سعد الحريري بهذه المهمة، وذلك انطلاقا من اعتبارات تتصل بالأزمة المالية والاقتصادية والتي صارت أشبه بتسونامي. وتوضح هذه الأوساط أن بيئة ثنائي حركة “أمل” و”حزب الله” هي في مقدمة المتضررين من هذه الازمة انطلاقاً من حجم هذه البيئة في القطاع العام الذي فقد الامتيازات التي كان يتمتع بها قبل انهيار سعر صرف الليرة إلى مستوى قياسي غير مسبوق منذ عقود. ومن خلال مراجعة سجلات رواتب هذا القطاع يتبيّن ان القسط الأكبر منها عائد إلى موظفي الطائفة الشيعية في قطاعات التعليم والجيش والقوى الأمنية وغيرها. لكن الرواتب في هذا القطاع أصبحت حالياً نحو خُمس ما كانت عليه قبل تراجع سعر صرف الدولار عن مستواه الذي ما زال رسمياً حى الآن نحو 1500 ليرة للدولار الواحد.

بالطبع ، ليست الازمة ذات صفة مذهبية، بل هي ازمة وطنية عامة. لكن ما يميز ما بين فئة وأخرى، هو أن الثنائي الشيعي الذي كان يمسك بزمام الطائفة من خلال المنافع التي يقدمها لأتباعه، لم يعد قادراً على استيعاب عوامل التململ في بيئته مع التراجع المستمر في مستويات العيش الذي كان مكفولاً بصورة خاصة لموظفي القطاع العام. وتشير الاوساط نفسها إلى أن المداولات المباشرة وغير المباشرة بين ركنيّ الثنائي، الرئيس نبيه بري والامين العام للحزب السيد حسن نصرالله، انتهت الى خلاصة مفادها ان عودة الرئيس الحريري إلى السرايا من شأنها على الأقل وقف انهيار سعر صرف الليرة وبدء مرحلة البحث عن أفق لمعاودة النمو. وقد وصلت هذه الخلاصة الى بيت الوسط، إلا أنها لم تتحقق لأسباب يمكن إيراد بعضها.

في المعلومات أيضاً، أن أحد الوسطاء الذي زار بيت الوسط حمل ما يمكن وصفه بالرسالة من رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل يدعو فيها الى تجديد التعاون بين “المستقبل” و”التيار” على قاعدة مشابهة لتلك التي ادت الى خروج الحريري من الحكم في تشرين الاول الماضي بعد انتفاضة السابع عشر من ذلك الشهر. وعززت هذه الرسالة القناعة بأن الظروف التي ادت الى فشل تجربة الحريري في حكومتين متتاليتين في العهد الحالي ما زالت قائمة، وبالتالي فإن العودة الى السرايا مع استمرار هذه الظروف معناه “الانتحار السياسي”.

تقول أوساط الرؤساء السابقين لـ”النهار” إن العامل المؤثر الذي دفعهم الى تسمية السفير أديب ليكون رئيساً مكلفاً، هو إدراكهم أن الضغط الفرنسي عشية وصول الرئيس إيمانويل ماكرون إلى لبنان في زيارته الثانية كان كبيراً إلى الحد الذي دفع رئيس الجمهورية ميشال عون إلى التخلي عن أسلوب المشاورات قبل الدعوة الى إجراء المشاورات النيابية الملزمة التي يفرضها الدستور. وتبيّن لهؤلاء الرؤساء عندما التقوا الأحد الماضي أن الرئيس ماكرون نجح في تعطيل سيناريو تأجيل الاستشارات الملزمة، ما نقل الكرة الى ملعب الفريق السنيّ الذي كان عليه ألا يظهر في مظهر المعطّل للجهد الفرنسي، وفي الوقت نفسه الأخذ بالاعتبار أن الوقت لم يحن بعد لكي تنطلق حكومة جديدة إلى العمل بطريقة ناجعة تختلف عن تلك التي جرى اعتمادها على مدى 4 أعوام خلت من عمر العهد الحالي ولكنها باءت بالفشل.

يقول الرئيس فؤاد السنيورة الذي تلا بيان رؤساء الحكومات السابقين في حديث لقناة “الجزيرة” القطرية انه لمس من الرئيس المكلف بأنه راغب في ان” يؤلف حكومة مصغرة وتكون مؤلفة من أصحاب كفاءات وأن لا تكون لأي عضو منهم امتدادات سياسية مباشرة مع مختلف الأحزاب والفرق السياسية الموجودة في لبنان”. فهل سيتمكن الرئيس الملكف من القيام بما عجز عنه سلفه حسان دياب الذي جاء الى الحكم تحت العنوان نفسه الذي اتى تحته مصطفى أديب؟

لا يبدو أن هناك ضمانات تؤكد أن لا تتكرر تجربة الحكومة المستقيلة. ولم يتردد الرئيس السنيورة من ابداء الحذر المشوب بالقلق حيال ما ينتظر الرئيس المكلف من عقبات تضعه في المربع نفسه للحكومة السابقة: “أنا أضع يدي على قلبي لأني أخشى أن لا يتحقق هذا الإصلاح الأساسي الذي نحلم به، ولأنّ كل ما نسمعه اليوم عن استعدادات طيبة ورغبة في التعاون يحصل انطلاقاً من إدراك متنام لدى بعض السياسيين في لبنان في أنّ لبنان قد وصل الى نقطة خطرة جداً. إلا ان هناك خشية كبيرة لديّ، وهي تساورني في انه ربما لا يأتي “حساب البيدر مطابقاً لحساب الحقل”.

ليس الرئيس السنيورة من يضع يده على قلبه وحده، بل جميع اللبنانيين الذين لم يصدقوا حتى الآن أن ما افسده دهر الوصايات وآخرها الوصاية الإيرانية سيصلحه العطار الفرنسي اليوم!