//Put this in the section
نبيل بومنصف - النهار

”فيتو” القمصان السود! – نبيل بومنصف – النهار

لا يميل اللبنانيون الى الاستغراق في اللحظة الصادمة ويتوقون للخروج بسرعة منها، خصوصا متى كان الأفق ينذر بمزيد من الغموض كما في اللحظات التي أعقبت تكليف مصطفى أديب الطارئ على المشهد الداخلي تأليف الحكومة. ومع ذلك لا تستقيم مسالك الخروج من تداعيات هذه اللحظة من دون إعادة التصويب على بعض النواحي المفصلية التي غالبا ما تشكل مسببات إضافية للخلل المتسع في التوازن الداخلي، والتي نخشى انها فتحت شهيّات الافرقاء المعروفين بتربصهم بالطائف والنظام الدستوري للانقضاض عليه، لا من منطلق التحديث نحو الدولة المدنية وانما لتكريس هيمنة تقوّض خصائص لبنان نهائيا. من هذه الزاوية وبمنتهى الصراحة، لم يكن غريبا ان يُصدم كثيرون بتسليم النخبة السياسية السنية المتمثّلة برؤساء الحكومات السابقين الأربعة أولاً وقوى سياسية اخرى باستثناء “القوات اللبنانية”، بما سمّي “فيتو الثنائي الشيعي”، وتحديداً “حزب الله”، على تسمية وترشيح السفير السابق نواف سلام بلا ردة فعل من شأنها إحداث معادلة جديدة تلفظ هذا النوع من التسلط الفوقي. لم تعد الموجبات والمبررات التي سُربت تحت جنح تسويغ طرح اسم الرئيس المكلف مصطفى أديب هنا تستقيم في واقع التوازن المختل والماضي نحو اختلال اشد فداحة، اذ تمضي المعادلة المكسورة على استرضاء رافع “الفيتو” والبحث معه عن تسوية فيما هذا الطرف لم يدلل مرة واحدة بعد على تلقّفه أبعاد سياسات ربط النزاع سلميا والبحث الدائم عن تسويات معه، ويمضي تاليا نحو تكريس معادلات القوة الجانحة وفرض الامر الواقع على الجميع . لذا يصعب هضم التسليم مجددا بأي مبررات وذرائع وحجج تسلس القياد لـ”حزب الله” برفع البطاقات الحمراء والصفراء والبرتقالية كأنه المرجع المسلّم بقدرته القسرية على تحديد الأحكام المعيارية، من دون ان تنبري أي فئة او تحالف او حزب الى احداث الحد من التوازن معه وحمله على مراجعة هذا النمط الفوقي المنذر دوماً بفتح الباب على أخطر التداعيات المذهبية والسياسية والدستورية اطلاقا. لم يكن الامر في “فيتو” على نواف سلام متصلاً بمذهبه ولا بالفئات التي نادت به بعدما ثبت انه المرشح الأوسع استقطاباً للشارع المنتفض منذ تشرين الأول الماضي فحسب، بل ان الامر يتصل بمسألة التوازنات والخلل المكرس في نمط سقطت معه كل التجارب المرنة والمتساهلة والمتوسلة التسويات، فيما لا يترك كل ذلك أي أثر يُذكر في تصويب المسار السلطوي او الدستوري او السياسي. يجب ان يسجَّل للرئيس سعد الحريري انه الزعيم الأسرع استجابة للانتفاضة بحيث استقال مع حكومته بعد أسبوعين فقط من انطلاقها. كما انه الزعيم الأكثر تمثيلاً لطائفته الذي قبل وبادر الى اختيار شخصية مغمورة من خارج النادي السياسي لرئاسة الحكومة، الامر الذي لا يمكن تصوره مع زعماء الطوائف الآخرين بما يمنع التجديد السياسي من دواخل الطوائف. ولكن ذلك لا يحجب ما كان كثيرون يتطلعون اليه على الأقل لتثبيت مبدأ رفض التسليم بـ “الفيتو” الذي يبيح “حزب الله” لنفسه المضي فيه كوسيلة هي اقرب الى “القمصان السود” السياسية فيما يتجنب أنداده اللعب مثله على حافة الهاوية. لقد استحدث هذا المحور “الممانع” مع حلفائه ظواهر الفراغ الدستوري والتعطيل واستقطابها، ولن يبدل الدخول الفرنسي ولا أي شيء آخر من أنماطه ما دام الخلل بهذه الفداحة.