//Put this in the section

فاسدون ومنتخبون.. الطبقة الحاكمة بلبنان أهدرت 100 مليار وتقود البلاد للهلاك، فكيف يمكن إيجاد بديل لهم؟

كَشَفَ الانفجار المُدمِّر الذي مزَّق بيروت في وقتٍ سابق من الشهر الجاري مزيداً من الآثار المدمرة التي أدى إليها فساد النخبة الحاكمة اللبنانية.

ربما لم يكن الانفجار، الذي نتج عن مخزونٍ من مادة نترات الأمونيوم شديدة الانفجار ظلَّ دون حراسةٍ في مرفأ بيروت منذ العام 2013، مُتعمَّداً، لكن له علاقة وطيدة بتاريخ لبنان الحافل بالنزاع السياسي وبالساسة العجائز، وأمراء الحرب الكثيرين السابقين منهم، الذين لا يزالون يتمسَّكون بالسلطة في نظامٍ من الطائفية والاعتلال والمحسوبية السياسية، حسبما ورد في تقرير لمجلة World Politics Review البريطانية.




ومع التعبئة العامة ضد الكليبتوقراطية اللصوصية في البلاد (نمط الحكومة الذي يراكم الثروة الشخصية والسلطة السياسية للمسؤولين الحكوميين والقلة الحاكمة)، فإن بقاء الوضع الراهن صار موضع تساؤل، لكن لا يزال من غير المؤكَّد ما إذا كان بديلٌ إصلاحي قد يحل محله.

فساد النخبة الحاكمة اللبنانية أهدر 100 مليار دولار

منذ سبعينيات القرن الماضي، تجنَّبَت النخبة السياسية في لبنان العمل الجاد للحكم مقابل نهب موارد البلاد وتركيز السلطة فيما بينها. وحتى اليوم أُهدِرَ ما يصل إلى 100 مليار دولار من النظام المصرفي للبلاد في صفقاتٍ فاسدة. والآن، بعد مقتل أكثر من 200 شخص جرَّاء الانفجار، وغيرهم الآلاف من المصابين والمُشرَّدين، فإن قادة لبنان عازمون على التملُّص من اللوم على كارثةٍ صنعوها بأيديهم من خلال رفض تحقيقٍ دولي في أسباب هذه الكارثة ومُرتَكِبيها.

كان لبنان يغلي بالفعل قبل الانفجار. في “ثورة تشرين”، العام الماضي، اندلعت سلسلةٌ من الاحتجاجات إثر فرض ضريبة جديدة على استخدام خدمة المراسلة واتساب، في علامةٍ على الإحباط الشعبي المتزايد من النظام العجوز. وفي طليعة هذه الانتفاضة كان هناك جيلٌ من النشطاء الذين أدركوا المشكلات الخطيرة التي تواجه المجتمع اللبناني، وكذلك فشل الطبقة السياسية في التعامل مع هذه المشكلات بأيِّ طريقةٍ مُجدية. ولم يؤدِّ الإهمال الذي سبَّب الكارثة الأخيرة إلا إلى زيادة عزم هذا الجيل على إيجاد بديل.

والانتخابات الأخيرة أدت إلى تعزيز هيمنة حزب الله رغم كل هذا الاستياء

أصبحت مطالب إصلاح نظام الحكم بأكمله مرادفة لدعوات نزع سلاح حزب الله، الميليشيا الشيعية، وهو الحزب السياسي الذي استغلَّ ضعف الدولة ليصبح طرفاً مركزياً في الكليبتوقراطية اللبنانية.

ورغم الاستياء الهائل من المؤسَّسة السياسية، فإن الانتخابات التشريعية الأخيرة في 2018 -بعد 9 سنوات من الشلل السياسي- قد أسفرت عن برلمانٍ يهيمن عليه أصحاب المناصب من الأحزاب التقليدية، إذ ذهب 70 مقعداً من أصل 128 إلى حزب الله وحلفائه.

كان هذا بمثابة مفاجأةٍ للكثير من الإصلاحيين الذين اعتمدوا على زيادة مشاركة الشباب في السياسة من أجل إحداث تغييرٍ حقيقي.

يُبيِّن هذا أن تغيير الثقافة السياسية في لبنان لن يكون سهلاً، يتضمَّن سنُّ الإصلاحات اللازمة إصلاح ذلك النظام من المُحفِّزات الفاسدة التي تديم الممارسات الكليبتوقراطية، مثل شبكة المحسوبية المُبهَمة وغير الخاضعة للرقابة، والتي تتحكَّم في التعيينات في المناصب العامة. يشعر المواطنون اللبنانيون بالآثار الضارة بطرقٍ لا حصر لها.

ففي عام 2015 على سبيل المثال، تراكَمَت جبالٌ من القمامة في الشوارع بينما كانت النخب تتصارَع على عقود إدارة النفايات المُربِحة. ومع ذلك، كان للاحتجاجات الأخيرة تأثيرٌ ضئيلٌ على نظام الحكم، ما يشير إلى الحاجة إلى المزيد من الدعوات السياسية التي لا تعبِّئ طيفاً واسعاً من السكَّان اللبنانيين فحسب، بل تكسب أيضاً المُرشَّحين الإصلاحيين وتؤثِّر على برامج الأحزاب السياسية.

لكن هذا مشروعٌ طويل الأجل.

ستأتي حكومة تكنوقراط جديدة لن تكون مختلفة عن سابقاتها

بالنسبة للوقت الراهن، فإن المرحلة التالية ستتضمَّن على الأرجح تنصيب حكومةٍ تكنوقراطية لن تكون مختلفةً تماماً عن الأخيرة، بزعامة رئيس الوزراء حسان دياب، الذي استقال بعد الانفجار. من دون تغيير قواعد اللعبة، فإن من سيحلُّ محلَّ دياب من المُحتَمَل أن يوافق على تقديم التنازلات التي طَلَبَها صندوق النقد الدولي مقابل حزمة الإنقاذ اللازمة لتمديد شريان الحياة قصير الأمد للاقتصاد اللبناني، وربما حتى انتخابات مُبكِّرة.

غير أن أياً من هذه الإجراءات ليس كافياً لإنقاذ لبنان من المزيد من التفكُّك، ولا من المُرجَّح أن تؤمِّن الحركة الاحتجاجية تغييراتٍ جذرية. ورغم الغضب الشعبي من حزب الله، فإنه يظل الحزب الوحيد في لبنان الذي هو جزءٌ من النظام وفوقه في الوقت نفسه. تتفوَّق قوته العسكرية على القوات المُسلَّحة اللبنانية، وإذا تعرَّض لتهديدٍ فسوف يلجأ للعنف.

وتفرض الحالة الكارثية للاقتصاد أيضاً تحدياتٍ خطيرة على الإصلاح السياسي. لعقودٍ من الزمن، أبقت الحكومة على ربط عملتها بالدولار عند سعر 1500 ليرة لبنانية. وصل هذا النظام إلى مُخطّطٍ هرمي بمليارات الدولارات، ودعم الواردات على حساب الصناعات المحلية، بينما سُمِحَ للشركات الكبرى بالتأهُّل للحصول على قروضٍ بالدولار بمُعدَّلاتٍ منخفضة. وحظيت الودائع بالليرة اللبنانية على اهتمامٍ كبير؛ ما ساعَدَ على جذب التحويلات.

لكن النظام وَصَلَ إلى نقطة الانهيار في الخريف الماضي، عندما قلَّصَ البنك المركزي التحويلات، ما تسبَّب في انهيار ربط العملة بالفعل. انخفضت قيمة الليرة اللبنانية بشكلٍ حاد، ويجري تداولها حالياً في السوق السوداء بمعدَّلٍ يتراوح بين 7000 و7500 ليرة للدولار. ووصل التضخُّم الشهري إلى 112% في يوليو/تموز، بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية وندرت الواردات. لم يعد النظام المصرفي يعمل، ومن المُتوقَّع أن ينكمش الاقتصاد هذا العام بنسبة 25%. والأهم من ذلك هو أن الدين اللبناني، البالغ 170% من الناتج المحلي الإجمالي، يتجاوز 92 مليار دولار. والملايين التي تم التعهُّد بتقديمها كمساعداتٍ دولية لا تقترب بأيِّ حالٍ من تلبية احتياجات لبنان.

كيف يمكن إصلاح الوضع اللبناني؟ تشجيع المبادرات المحلية المستقلة

لهذا السبب، لا بد أن تُربَط خطة الإنقاذ المالية بخطواتٍ ملموسة لتعزيز الشفافية والحوكمة، وإرساء الاستقرار المالي، والإجهاز على الفساد المؤسَّسي. وبينما يرسل المجتمع الدولي مساعداتٍ طارئة لإعادة البناء في أعقاب الانفجار، لا بد من ضمان أن منافع هذه المساعدات تُوزَّع بصورةٍ متكافئة، وألا تظهر انقساماتٌ جديدة بين المجتمعات المحلية التي ضربتها الكارثة. أما المبادرات المحلية فهي بحاجةٍ إلى تعزيزٍ باعتبارها مُحرِّكاتٍ للتمكين المدني.

ورغم أن المجتمع الدولي لديه دورٌ مهمٌّ ليضطلع به في تشجيع الإصلاح، فإنه لا بد أن يُغيِّر اللبنانيون أنفسهم ثقافتهم السياسية في نهاية المطاف. ونظراً لعناد النظام القائم والقيود المفروضة على ما قد تحقِّقه الاحتجاجات، فإن المعارضة بحاجةٍ إلى الخوض في اللعبة الطويلة، والتركيز على استخدام الانتخابات المستقبلية باعتبارها فرصاً أمام الساسة الإصلاحيين الجدد من أجل كسب المزيد من السلطة السياسية.

يجب تشجيع التنافس مع الجماعات الطائفية

وهذا يتضمَّن بناء هياكل تنظيمية وأجهزة انتخابية من أجل التنافس مع الجماعات الطائفية التي تعتمد بعمقٍ على شبكات المحسوبية في دعمها، وكجزءٍ من هذه الاستراتيجية فإن الزخم الإيجابي والطاقة التي أفعمت ردود أفعال المواطنين على الانفجار تقدِّم فرصة. والآن تتحرَّك شبكات التضامن استجابةً للأزمة، مِمَّا يسلِّط الضوء على التناقض الحاد مع غياب الحكومة.

يحتاج لبنان إلى ميثاقٍ اجتماعي جديد يرتكز على المبادئ الديمقراطية للمساءلة والحكم النظيف وسيادة القانون. وعلى اللبنانيين أن يكونوا قادرين على تخيُّل مستقبلٍ يتمتَّع بالازدهار والسيادة ينبذ ويلات الطائفية والفساد والتبعية. رغم الأزمات المتعدِّدة التي عانت منها البلاد خلال العام الماضي، يتمتَّع لبنان بنبعٍ من الإمكانات غير المُستغلَّة، بما في ذلك الأعداد الكبيرة من العمال المهرة الذين يتوقون إلى تفعيل مهاراتهم. الأمر متروكٌ الآن للبنانيين -بدعمٍ من المجتمع الدولي- للاضطلاع بالمهمة الشاقة المتمثِّلة في إعادة البناء، ليس فقط لشوارع بيروت المليئة بالركام، بل أيضاً للأسس المتداعية لنظامهم السياسي.