//Put this in the section
علي حمادة - النهار

زيارة فيروز ولا زيارة القصر المحنّط… – علي حماده – النهار

أفضل ما كان يمكن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ان يفعله في مستهل زيارته الثانية للبنان، وفي اطار مشاركة فرنسا الاحتفال بمئوية انشاء الكيان اللبناني، هو ان يستبدل زيارة القصر الجمهوري المحنّط بزيارة السيدة الكبيرة فيروز في بادرة لها رمزيتها الكبيرة بالنسبة الى لبنان وتاريخه وثقافته قبل السياسة وألاعيبها التي يعرف انه سيواجَه بها من الطبقة الحاكمة التي يعلم الفرنسيون قبل غيرهم انها لم تفهم بعد مدى خطورة الدرك الذي بلغه لبنان في ظل تجاهلها المخيف لكل التحذيرات التي اطلقها الخارج، فيما لبنان يغرق اكثر من أي وقت مضى في مستنقع الازمات المتوالدة من سوء الإدارة والفساد المستشري، واستسهال مد اليد الى المال العام، والتواطؤ مع حالة احتلالية تسيطر على البلد بطريقة مافيوية. لقد أحسن الرئيس ماكرون صنعاً في الزيارة الأولى عندما وبّخ القيادات اللبنانية التي أوصلت البلاد الى ما هي عليه اليوم من سوء حال. واليوم يكرر عملاً له دلالاته، ليقول للبنانيين ان سيدة مثل فيروز هي الممثل الشرعي للروح اللبنانية، ولتاريخ البلد، ومستقبله، اكثر من جميع القادة الذين يجمعون محازبين شبه معتوهين يعيشون على وهم ان القادة هم الذين سيخلصونهم من الحالة المزرية التي هم فيها!

لكن ماذا أبعد من زيارة السيدة فيروز؟ خريطة طريق فرنسية اطلعت عليها القيادات، وأهم نقاطها: تشكيل حكومة عمل ومهمة مستقلة ذات صدقية داخلية وخارجية لتنفيذ الإصلاحات، واطلاق عملية الإنقاذ الاقتصادي والمالي والإداري، ثم التحضير لانتخابات مبكرة في غضون سنة لاطلاق عملية تغيير في النخب السياسية في لبنان. في مقابل خريطة الطريق التي لا ترضي معظم القيادات السياسية المعنية في ما يتعلق بروحيتها، ثمة من يعتقد ان تكليف شخصية ذات صدقية عالية لتشكيل الحكومة لا يعني بالضرورة وقوف القوى السياسية المتمثلة في مجلس النواب جانبا كما نصحت “تسريبات” صحافية نُسبت صباح البارحة الى قصر الاليزيه، بل ان ثمة من يقول، ولا سيما في معسكر “حزب الله” وحلفائه، فليأتِ ماكرون، وليفعل ما يريده ويغادر بعد يومين. اما نحن فباقون هنا على الأرض، وكل ما سنقدمه للفرنسيين هو تسهيل التكليف، اما التأليف فأمرمختلف، ولا يستوي على قاعدة اخراجنا من الحكومة تحت أي ذريعة، وخصوصا في ظل الضغط الكبير الممارَس ضد “حزب الله” على اكثر من صعيد: فالتجديد لقوات “اليونيفيل” هذه المرة ليس كالمرات السابقة، والمواجهة الأميركية – الإيرانية (و”حزب الله” جزء مركزي فيها) مستمرة بأشكال مختلفة، وعهد ميشال عون في خطر حقيقي، لاسيما بعدما أثخنته الجراح في الساحة المسيحية. وميشال عون في منصب الرئاسة ضمان لاستمرار حالة “حزب الله” الشاذة في البلد، فيما انهياره يمثل ضربة كبيرة وموجعة مع فقدان غطاء مسيحي ذي وزن معتبر في رئاسة الجمهورية. من هنا لا يتحمس عون، و”حزب الله” واتباعه كثيرا للذهاب الى صناديق الاقتراع سريعا، مخافة حصول ترجمة انتخابية لحالة الانهيار التي يعانيها عون وبطانته. وفي كل الأحوال، ثمة من سيعتبر ان اجراء انتخابات نيابية في ظل سيطرة السلاح أمر غير مجدٍ، إلا في المناطق المسيحية المتحررة من نفوذ الحزب بشكل عام، ولا سيما بعدما وقع عون في سنته الرابعة.




كل ما نأمله اليوم، هو ألا يسعى البعض الى التذاكي، واعتبار المبادرة الفرنسية محاولة لاعادة انتاج “التسوية الرئاسية”، بما يعني ذلك من منح شرعية أوروبية لاحتلال “حزب الله” للبنان. فالمعادلة المطروحة اليوم هي معادلة تحرير لبنان من الاحتلال، من خلال تحرير الشرعية من اللاشرعية!