//Put this in the section

لا كهرباء بعد ٣٠ سنة من الوعود الكاذبة والإنترنت سلحفاة… أوتوسترادات الموت السريع… ونفق بيروت – البقاع حلم جديد

غسان الحجار – النهار

هل من بنى تحتية في لبنان؟ إذا أراد أحدنا النظر بعين إيجابية فإنه لا بد من أن يرى المطار والأوتوستراد المؤدي منه وإليه، وعدداً من الطرق خصوصاً أوتوستراد الجنوب، وبعضاً من طريق الشمال، وعدداً من الجسور والأنفاق التي شيدت زمن الرئيس رفيق الحريري، ومنها أيضاً جسر جل الديب الذي رافقه هرج ومرج باعتباره مشروعاً وطنياً، وهو الإنجاز الوحيد للعهد في البنى التحتية خلال 4 سنوات من رئاسة ميشال عون. وفي ما عدا ذلك، تراجع كبير وتدهور على كل المستويات وفي كل الخدمات.




فالمطار الدولي لم يعد ما كان عليه سابقاً. صار صغيراً، فقيراً، لا يرقى الى المستوى الدولي إلا بالاسم. وهو في حال تراجع مستمر، ويحتاج الى التوسعة والصيانة والتجديد، بالمختصر إلى التحسين في البناء وفي الخدمة.

أما الأوتوسترادات، فلم تعرف صيانة جيدة منذ أعوام، ولم يضف الى شبكة الطرق أي أوتوسترادات جديدة رغم ازدياد الكثافة السكانية وحركة الانتقال، بما يتسبب في ازدحام قد يصير خانقاً وقاتلاً ما لم يُتدارك الوضع بشبكة جديدة من الطرق، ما زال بعضها “على الوعد” منذ ربع قرن. وقد بات يطلق على معظم الطرق الاساسية، وبسبب النقص في الصيانة، والإشارات، والأضواء، “أوتوسترادات الموت السريع”.

فالأوتوستراد العربي، مثلاً، بدأ الحديث والعمل به في سبعينيات القرن الماضي، اي قبل الحرب اللبنانية، باعتباره الشريان الحيوي للتجارة والنقل والترانزيت، لكن العمل بهذا الأوتوستراد يتقدم ببطء شديد على الرغم من مرور 30 عاماً على انتهاء الحرب. والطريف في الأمر أن نواب البقاع هللوا أخيراً لمشروع نفق يربط مناطقهم بالعاصمة، كثر الحديث عنه سابقاً، وأقر أخيراً في مجلس النواب، لكن المواطنين يبتسمون عند سماعهم الخبر لفقدانهم الثقة بالدولة ومؤسساتها ورجالاتها، وقد قال مواطن بقاعي لأحد النواب “انشالله بتشوفو للنفق بحياتك”. ولا يسأل اللبناني عن اوتوستراد الشمال، فالاستملاكات والتوسعة في كسروان ماضية على الورق منذ زمن، لكنها لا تظهر على الأرض، ولا يسأل اللبناني عن الاوتوستراد الدائري حول بيروت. بات يكتفي بالقليل.

والطرق في لبنان، تعاني الأمرين، إذ ينقصها الزفت أولاً، وتشتاق إليه، وكلما غطّاها، حضرت وزارات الأشغال والاتصالات والطاقة، لتنزع هذا الغطاء القليل السماكة، لتمرير تمديداتها الجديدة غير النافعة غالباً، وأذكر ذات مرة، أنه حُفرت مسالك جديدة للمجاري الصحية عطّلت حركة السير أربعة أشهر، قبل أن تطمر ويكتشف المتعهد (!) أن مستوى المجاري جاء مرتفعاً عن المداخل التي تربطها بالمباني، وأن الشبكة الجديدة غير صالحة، ولم تُستعمل ولا عوقب المتعهد، بل قبض ماله.

وتمديدات الهاتف، وخصوصاً الألياف الضوئية، فحدث ولا حرج. لا يزال الجدل قائماً منذ زمن المدير العام لـ”أوجيرو” عبد المنعم يوسف الذي اعتبر العقبة أمام التطوير، فأزيح، ولا تزال الألياف الضوئية متعثرة، وخدمة الانترنت الى تراجع في المنازل، غير البعيدة عن العاصمة. وأذكر أنني مرة عندما قدمت شكوى جاءني الجواب أن الضعف ناتج من بعد المنزل عن السنترال. وقلت للمدير العام عماد كريدية أني وجدت الحل: قررت أن أنقل منزلي الى جوار السنترال. علماً أن منزلي في الحازمية لا يبعد أكثر من كيلومترين عن السنترال. وضعف الانترنت، يشبه الى حد كبير ضعف ضغط المياه، التي بالكاد تصل الى الباركينغ، إذا وصلت وفق برنامجها المحدد. وعلينا أن نستثني فصل الصيف بالطبع، فهو فصل أقرب الى الجفاف.

وماذا يقول اللبناني عن الكهرباء؟ إنها الفضيحة التي لا تجاريها فضيحة أخرى. لا كهرباء بعد مضي 30 سنة على انتهاء الحرب. وزراء تعاقبوا، ووعدوا، وتعهدوا، وبذلوا جهوداً وفق تصريحاتهم، لكنهم لم يوفقوا. على اللبنانيين أن يشفقوا عليهم لأنهم أرهقوا في خدمة الشعب، وفي توفير الطاقة الكهربائية، لكن الأشرار، شركاءهم في الحكومات ومجالس النواب المتعاقبة، عطّلوا عليهم وزرعوا العقبات أمامهم. حتى وصل البعض الى قناعة مفادها أن إنشاء معامل كهربائية طائفية مناطقية، ربما يكون الحل الأنسب. ورغم هذه الأفكار النيّرة، لم يتحقق شيء. والوعود تبخرت، وما زال اللبنانيون واقعون تحت نير أصحاب المولدات الذين لهم الفضل في توفير الخدمة في ظل غياب الدولة، وإن كان أكثرهم من بقايا ميليشيات الحرب ويتعامل مع الناس بفوقية وجشع.

يسأل المواطن اذا لم يسدد فاتورته، ولا يحاسب المسؤول، من الوزير، الى مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، على تقصيرهم في الواجب الوطني، ولا يستقيلون لئلا تضيع الانجازات.

والأنكى من كل هذا، أن الخزينة العامة وقعت في عجز كبير لتمويل الكهرباء، بمبلغ يقرب من 50 مليار دولار أي نصف مجموعة دين لبنان البالغ نحو 95 مليار دولار. وهذا العجز انعكس على الأوضاع العامة المالية والاقتصادية، وتالياً على حياتنا أجمعين.

وفي الأرقام أنه صرف مليار و200 مليون دولار على البنى التحتية للعاصمة بيروت منذ نهاية الحرب، ويعرف المراقبون أن لا بنى تحتية باستثناء وسط العاصمة حيث عملت شركة “سوليدير” على تنفيذ البنى التحتية والفوقية. الأرصفة في بيروت مأسوية، واذا كانت متقطعة، ولا تشمل كل الأحياء والشوارع، وهي تضيق في أمكنة كثيرة بحيث يصعب السير عليها، فقد أضيفت اليها مشكلة الأعمدة والاشارات وعلب الهاتف التي زرعت في وسطها، ما جعل التزام السير على الرصيف أمراً متعذراً، ويعاني أكثر المقعدين على كراسيهم أو الأهل الذين يجرون عربة لأولادهم من صعوبة التنقل.

ماذا بعد؟ اللائحة تطول لكنها عينة من البنى التحتية الضرورية لرفاهية المواطن. لكن اللبناني بات يطلب العيش فقط، ولا يحلم بالرفاهية. عيشته ليست كريمة على الاطلاق، لكنه في كل صباح يشكر ربه لأنه لم يمت بحادث صدم أو حدث أمني مفاجئ، أو اطلاق نار عشوائي، ويشكر أكثر اللبنانيين ربهم لأنهم نجوا في انفجار المرفأ من موت شاهدوه بأم العين، وشاهدوا الشهداء الضحايا من حولهم.