//Put this in the section
نبيل بومنصف - النهار

المئوية… في مرفأ بيروت – نبيل بومنصف – النهار

لا ندري ما اذا كانت فرنسا تعمّدت أم هي مفارقات المصادفات القدرية – التاريخية أتاحت لها ان تظهر في محنة لبنان الراهنة الوجه المحدَث لأقدم دور خارجي في تاريخ لبنان لم يصمد مثله أي دور آخر على تناوب المتغيرات. كأن ذاك الانفجار المزلزل الذي ضرب بيروت بأسوأ ما عرفته من محن، جاء في التوقيت الأشد اثارة للشجون اللبنانية في سنة المئوية الأولى لاعلان لبنان الكبير، بل عشية إحياء الذكرى في اول أيلول في قصر الصنوبر التاريخي بما يضفي على الحضور الفرنسي العريق، بوجهيه القديم والحديث، مزيدا من التوهج على رغم تراجعات ضخمة إصابته بفعل المزاحم الأشد سطوة على سائر الأدوار الغربية والدولية في المنطقة، عنينا به الدور الأميركي. ومع ذلك، لا يمكن المرور بخفة او تجاهل الرمزيات الكبيرة للأسابيع الثلاثة التي مرت منذ انفجار 4 آب الحالي، والتي نظن ان الآتي من الأيام والتطورات سيكون تتويجا لها مع الزيارة الثانية للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لبيروت في اقل من شهر، وهو ما لم يسبقه اليه أي رئيس او زعيم غربي او عربي. بين اعلان لبنان الكبير قبل مئة عام وذكراه المئوية الأولى بعد أيام، لا ترانا نغالي إنْ نظرنا الى الأسابيع الأخيرة التي أعقبت انفجار مرفأ بيروت باعتبارها اختصارا كافيا مفعما بالخلاصات المعبرة عما يجب ان يراه اللبنانيون في حقيقة تطور الدول ومصالحها ووسائل ترجمتها، وعدم البقاء في مفاهيم خشبية متكلّسة على ما يتحفنا به الكثير من فئات لم تعرف كيف تغادر نمطياتها البائدة. ولعلنا لا نغالي اطلاقا إن نصحنا النمطيين بيننا بالاتعاظ مما يقوم به نحو 400 جندي فرنسي ليلا نهارا الى جانب جنود الجيش اللبناني وضباطه في اكبر ورشة رفع للركام والحطام والخراب في مرفأ بيروت، كما من الجسر البحري والجوي الفرنسي للمساعدات الإنسانية، وكل هذا في مواكبة دور سياسي وديبلوماسي لم نرَ حتى غلاة الأصوات الراديكاليين في ما يسمى محور الممانعة اعترض او احتج عليه، بل تباهى الحزب الممانع الأول بلقاءين تفرَّد بهما مع الرئيس ماكرون . إذاً نحن امام النسخة المحدثة لدور يأتي من باب أمم تطورت وباتت تتقن تماما ان أزمان الانتداب ولَّت في عصر “السوشيل ميديا”، بل تراها تسخر من جاهلية لا تزال تستوطن هذا البلد كما سواه من بلدان البؤس والفشل في النظرة الى أدوار مماثلة للدور الفرنسي في لبنان. والحال اننا لا يمكن ان ننظر بطوباوية ساذجة لا الى الدور الفرنسي على عراقته ولا الى سواه بطبيعة الحال، خصوصا اننا نعاني من شراكة وطنية مع افرقاء يمجّدون ارتباطاتهم بقوى إقليمية لم تؤدِّ أدوارها الا الى الامعان في تقويض الاستقرار اللبناني واستباحته وتخريبه. وأسوأ ما يواجه لبنان ان يرفع لواء الحياد على لسان بطريرك الموارنة ملاقاة منه للمئوية الأولى فيأتيه الرد النمطي إياه ليسقط آخر رهان على شراكة وطنية حقيقية. لذا لن يكون غريبا ان نظرنا بكثير من التخوف على الرعاية الفرنسية المتحفزة والتي تبدو اقرب الى خشبة الدعم الخارجي الأخيرة المجدية لتحذير من يتعين إقناعهم من النمطيين عندنا بان المئوية الأولى قد تشكل فعلاً ذروة “انتصاراتكم” … على الكيان!