//Put this in the section

علاء فارس وفادي وجورج سركيس شهداء وطن لا أمن فيه ولا أمان!

مريم مشتاوي – القدس العربي

انتشرت مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات اللبنانية صورة مروعة لثلاثة أبطال من ضيعة كفتون الشمالية اللبنانية.




ماتوا وهم يحرسون ضيعتهم ويسهرون على حماية أهلهم في غياب الأمن، وفي ظل الإهمال والتسيب المسيطر على البلد.

كما غطت عدد من القنوات اللبنانية مراسم الدفن مباشرة من ملعب الضيعة، حيث اجتمع الأهل والأصدقاء للوداع الأخير.

كيف سننسى المشهد؟

إنه يوم الجمعة 21 الشهر الجاري. كان ثلاثة من شبان ضيعة كفتون الشمالية: نجل رئيس البلدية علاء فارس وشرطيان هما فادي سركيس وجورج سركيس، واقفين على الطريق يحرسون الضيعة ليلاً من الاعتداءات، بعد أن لاحظوا مرور سيارة غريبة ومشبوهة لا لائحة عليها.

وحين أوقفوها قام ركابها بإطلاق النار عليهم. ثم فروا هاربين. تاركين خلفهم سيارة ممتلئة بالأسلحة وثلاث جثث لأبطال ضحوا بحياتهم لأجل أبناء بلدتهم.

هؤلاء الشباب وقفوا على الطريق لحماية بلدتهم بعد أن طالبوا مراراً بنقطة أمن تحمي المنطقة من المجرمين والسراق.

ولكن الجهات المسؤولة لم تنصت لطلباتهم. فهي كما يبدو لا يهمها أمن الناس. بل مشغولة فقط بجمع الأموال وبصراعاتها الداخلية والخارجية كي تحافظ على كراسيها.

لقد استحال لبنان بأنانيتهم إلى غابة كبيرة تعج بالوحوش الكاسرة.

لقد كتبت الأسبوع الماضي مقالاً عنوانه: لوين فالين؟

والآن بعد أن لبست بلدتي الأسود وخسرت ثلاثة أبناء في لحظة واحدة بت أخشى على من بقي من أهلي وأحبائي.

وكم أتمنى أن يرحلوا جميعاً. هل بقيت هناك بقعة آمنة في لبنان؟

كفتون، تلك الضيعة، التي كانت آمنة طوال السنين، هي قرية ساحرة ترتفع فيها أشجار السنديان الكثيفة المعمرة على مد النظر. جذوعها الضخمة تتحرك حسب الهواء الذي يخاوي القرية. يخف ويقوى حسب مزاجه. هناك.

فقط هناك تتحرك الأشجار من مكانها وتركض على الطرقات في أية لحظة يحتاج سكان القرية لأيد تساعدهم على لمّ المحن. ولطالما تخيلت جذوع تلك الأشجار سيقان ملائكة.

إنها قرية ناعسة يغمرها الهدوء خاصة في فصل الشتاء حين يعود معظم شبابها إلى المهجر. تزقزق العصافير للجدات اللواتي ينتظرن عودة أحبابهن من الغربة أو من مدينة بيروت، حيث يذهب البعض للعمل أو الدراسة.

وأحياناً تغرق تلك العصافير في نومها على الرغم من معاندة الهواء ومحاولته استفزازها باستمرار.

في تلك القرية تحديداً الهواء شديد النقاء، منعش، طازج. فيه برودة نظيفة تتغلغل إلى أبعد نقطة في أعماق المارة لتعقيمها من خيبات متراكمة منسية. هواء معطر بزهور صغيرة بيضاء ووردية اللون متطايرة تعلق في شعور زوارها كفعل ترحيب.

جدران بيوتها القديمة بيوت العقد يتراوح عمرها بين خمسمئة وسبعمئة سنة.

ولطالما اعتقدت في صغري أنها بيوت مقدسة تسكنها أرواح نائمة تخفف عن السكان حر الصيف وبرد الشتاء لتمنحهم نعمة الاعتدال. وبأنها ترمز إلى قوة العلاقات وصلابتها بين سكان القرية. وأحياناً كان يهيأ لي أن الحجارة القديمة هي هدية الآلهة للقرية لتتبارك فيها، وأن السحب تهطل مطراً على أرضها ليغسل خطاياها.

ضيعة سقطت من السماء على غفلة لتتمسك أطرافها بالجبال البيضاء الشامخة وتتمرجح كالطفلة المشاغبة فوق نهر الجوز المتمدد على صدر ديرها القديم حيث تدق أجراس الفرح.

ضيعة لا غريب فيها. كل سكان الضيعة أقارب وفيها ثلاث عائلات سركيس وفارس وسمعان.

هذه ضيعتي، التي كنت أقطنها في الصيف وأهرب إليها كلما اشتدت القذائف على بيروت.

لقد مرت على لبنان حروب كثيرة. كحرب التحرير والإلغاء وحروبنا المفتوحة مع العدو الصهيوني. كنت صغيرة جداً في ذلك الوقت ولكني أذكر جيداً كيف كنا نهرب إلى الضيعة لنحتمي من القذائف والصواريخ التي كانت تمطر فوق رؤوسنا في شرق وغرب بيروت.

كنت طفلة حين كان أمراء الحرب «العواجيز» يقتلوننا شاهدت موت جارتي في منطقة بعبدا، حيث كنا نسكن في فصل الشتاء بسبب عمل أمي.

عشنا بأعجوبة بعد أن انفجر صاروخ في غرفة ملاصقة للمكان الذي كنا نختبئ فيه. كبرت وأصبح أمراء الحرب أعجز من العواجيز، ولكنهم هم أنفسهم ما زالوا يحكمون البلد بالعقلية المدمرة المريضة نفسها.

لطالما اعتقدت أن ضيعتي هي ملجأ آمن. اعتقدت أنها بعيدة عن الخراب والموت.

ولكني تفاجأت أن إهمالهم وفسادهم قد طالها. فهم أصحاب قدرات خارقة في الدمار ولديهم تاريخ طويل مشبع بالدماء.

ليتهم انتظروا قليلاً حتى نستيقظ من صدمة انفجار بيروت قبل أن يحرقوا قلوبنا مرة ثانية.

الموت أصبح يلازمنا. يلاحقنا في كل شبر من أرض الوطن.

متى ستنتهي طريق الآلام؟

متى سنعيش مثل باقي البشر؟