//Put this in the section

نشهد أعظم تغيّر في التاريخ – توران قشلاقجي – القدس العربي

نحن نعيش في قرن يشهد أكبر تغيّر في تاريخ البشرية.. كل شيء يمرّ بتطور عظيم، بدءا من السياسة وحتى الاقتصاد والحياة الاجتماعية الثقافية. وهذه الثورة في العالم البشري تجرّ الإنسانية معها إلى أزمات كبيرة، فالأزمَات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية، التي تحدث في جميع دول العالم، ما هي إلا نتيجة أكبر تغيّر في هذا الزمان.

مهما قلتم عن هذا العصر إنه عصر التناقضات أو الانقسامات، أو الهراء أو الخداع، أو الفسق أو الأكاذيب، أو ما بعد الحقيقة أو ما بعد العدمية، أو ما بعد الاستعمار أو ما بعد الحداثة، أو ما بعد العولمة، فإن النتيجة ستكون هي نفسها: البشرية تمر بتطور هائل.. تطور ليس بالعادي، بل إنه يتجاوز حتى «نظرية التطور» لتشارلز داروين.




الأكاذيب تتطاير في الهواء بهذا القرن، مقابل تحطّم كامل للحقيقة.. أولئك الذين يدّعون بأنهم فلاسفة وعلماء ومثقفون ومفكرون، هم متأخرون كثيرًا حتى عن السفسطائيين في عهد سقراط. ألن نعترف بعد الآن بأن فهمنا للحياة يواجه تحديات كبيرة، في الوقت الذي تحطم فيه القانون المحلي والقانون الدولي، وانهارت القوانين والمقدسات، وقد ولّد الاحتباس الحراري والكوارث البيئية فيروس كوفِيد-19، والنفس البشرية تصدر نداءات الاستغاثة والنجدة؟ أينما ذهبتم حول العالم، سترون أن الناس كلهم يلومون بعضهم بعضا ويتبادلون الاتهامات. الأحزاب المعارضة والأحزاب الحاكمة يلوم بعضها بعضا، وكذلك الحال بالنسبة إلى رجال الدين والمجتمع، المحلّيين والعالميين، والأساتذة الجامعيين وطلابهم، والعائلات وأطفالها، والرجال والنساء. أما في وسائل التواصل الاجتماعي، فإن كل شخص يلوم الآخر. لم تعد الأفكار الكبيرة أو الخطابات أو الأيديولوجيات تعني شيئًا للجيل الجديد، أفكار اليساريين، واليمينيين، والشيوعيّين، والعلمانيين، والليبراليين، والمثاليين، والواقعيين، والصوفيين، والإسلاميّين، والقوميين، والتقليديين، والحداثيين، باختصار كل الأفكار تشهد إفلاسًا هائلاً. أمّا الخطابات التي تقول إن «الإسلاميين لم يعودوا كما كانوا» و«اليساريين لم يعودوا كما كانوا» و»القوميين لم يعودوا كما كانوا» و»الليبراليين لم يعودوا كما كانوا» ما هي إلا نتاج فكر ضحل.

لا فائدة اليوم لكتب العلماء أمثال ماركس وهيغل ولوك وهوبز وكانت وغيرهم، لأن الجيل الجديد، يركز على الأكل والشرب، والسفر والترفيه، ووسائل التواصل الاجتماعي والموسيقى والرسم، والرياضة والسينما، والأولويات المهمة بالنسبة إليه هي الأموال والمناصب. بينما يلوم السياسيون بعضهم بعضا، ويلوم رجال الدين بعضهم بعضا، على حد سواء بشأن مسار الجيل الجديد في جميع دول العالم، لا يوجد هناك إدراك حيال التغيّر، أو التطور العظيم الذي يحصل، وهذا في الواقع يشكّل خيبة أمل كبيرة. إن حصول هذا التغيّر الاجتماعي العظيم، في عالم تعطى فيه الأولوية للمال والسلطة، هو في الحقيقة عبارة عن نتيجة. أمّا مسؤولية عدم القدرة على قراءة هذا التغيّر بشكل جيد، فإنها تقع على عاتق الجميع. إن إثارة المخاوف واعتبار الفوضى مخرجا من خلال الحديث عن قضايا من قبيل «فساد المجتمع» و»انهيار الاقتصاد» و»إفلاس السياسة» و»اعتناق الشباب للربوبية» يعد بمثابة عماء تجاه التغيّر الذي يحصل. كما أن تبادل الاتهام بين الأحزاب السياسية، أو الأشخاص ذوي الآراء الأيديولوجية المختلفة بشأن التغيّر الاجتماعي الكبير، هو نتيجة للإفلاس، وعدم فهم التطور الذي تشهده الإنسانية.

لا يمكن إنكار حقيقة أن الأزمات النفسية ستظهر بكثافة في قرن يشهد ضياعًا للحقيقة، وانقطاعًا للروابط، وانتشارًا للأكاذيب في كل مكان، وزيادة في التفرّد، وكثرة في العنف وتجاهلًا للقانون الدولي، من قبل البلدان، وتفشيًا للأمراض العالمية، واتساعًا في رقعة المشاكل البيئية، وتفاقم الفوضى السياسية والأزمة الاقتصادية في كل مكان. لقد دفعت ظواهر القلق والارتباك وانعدام الأمن والتوتر والاكتئاب، الناس إلى أحضان المهدئات ومضادات الاكتئاب. ومن الواضح هناك مشاكل أكبر ستظهر بالتزامن مع زيارة البطالة، وتحوّل الفقر وأزمة الغذاء إلى أهم قضايا العالم، في السنوات المقبلة.

حسنًا، ما العمل إذن؟ ما يجب القيام به سهل للغاية، وهو أن نتجنب إلقاء اللوم أولًا، ومن ثم نحدد مرض العصر، ونعمل على ابتكار دواء له مثل أي طبيب. يجب أن نسعى جاهدين لاستعادة الرحمة والشفقة، والحقيقة والخير والعدالة. علينا أن نتبنى كفاحًا بعيدًا عن نظريات «نهاية العالم» و»سيناريوهات يوم القيامة».