//Put this in the section

السلطة الحاكمة عممت ثقافة الفساد وحمت الفاسدين

الفساد في لبنان أقوى من مرض السرطان. أكثر تمدداً وأكثر تجذراً في الجسم اللبناني. قديم منذ الاستقلال وقبله ربما، لكنه لم يكن وقحاً على النحو الذي بلغه منذ ما بعد اتفاق الطائف عندما سيطرت الميليشيات على مفاصل الدولة وتعاملت معها كأنها غنيمة حرب وبقرة حلوب تجوز سرقتها جهاراً، ويمكن حلالاً. كان هناك بعض السارقين الفاسدين قبل الحرب. وصار هناك بعض الأوادم بعد الحرب. انقلبت المعادلة تماماً.

لا حاجة اليوم ليقول لنا الفرنسيون ولا الأميركيون وكل شعوب الأرض، أننا في حاجة الى حكومة إصلاح، والى برنامج إصلاح، يتصدى للفساد القائم، والذي يسيطر على مفاصل الدولة، والذي أودى بنا الى الحالة التي بلغناها، أي الى الحضيض على كل المستويات. فانفجار المرفأ ليس الا وجهاً للفساد. والوضع الاقتصادي والمالي ليس الا وجهاً آخر. وأحوال الإدارة، والكهرباء، والضمان، والدوائر العقارية، والضريبة، وغيرها كلها تظهر الفساد في أبرز وجوهه.




لكننا بلغنا القعر. ولا تجاوب، ولا إصلاح. كلام بكلام. مسؤولونا لا يخجلون. كل مسؤولي الأمم يشيرون اليهم بالبنان، ويحذرونهم من أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يتصدّ للفساد. يجيبونهم بخطب رنانة طنانة ويعرفون مشاريعهم الوهمية لمحاربة الفساد.

في الواقع، أن محاربة الفساد عملية صعبة، بل معقدة، بل مستحيلة، اذ كيف يكون حاميها حراميها، وتنجح الخطة: الذين يتصدون للفساد، أو يدّعون ذلك، هم الفاسدون، أو حماة الفاسدين، والمسؤولون عن توظيفهم، والذين يمنعون عنهم المحاسبة والمحاكمة.

لكن الفساد بات يبلغ كل بيت ودار ومؤسسة. حتى المؤسسات الخاصة، الكثير منها نخرها الفساد، بعدما صار اللبناني يعتبر الفساد نوعاً من الشطارة اللبنانية، ويرى أن ما يقتنصه نوعاً من المكاسب، لا السرقات. امام هذه الفلسفة يصبح كل شيء مباحاً، وتسقط ورقة التين عن الجسد اللبناني ليتعرى الوطن.

لا حاجة كبيرة الى الارقام والتقارير الدولية لإثبات الفساد اللبناني، لأنه صار ظاهراً في كل المجالات. وهذا لا يعني تعميماً على الأفراد في القطاعات، لكنه تعميم على القطاعات، حتى المسؤولة منها عن المحاسبة والمحاكمة. فالقضاء ليس أقل سوءاً من غيره في هذا المجال. والذين يحاكمون غيرهم، بيت أكثرهم من زجاج، إذ كيف يمكن لقاض راتبه معروف من الجميع وفق سلسلة رتب ورواتب وعطاءات، أن يملك الشقق الفاخرة، والسيارات الفارهة، والعقارات الواسعة، والذهب والساعات، والخدم والحشم، ويكثر من الأسفار السياحية، ويدرّس أولاده في أرقى جامعات الخارج. أن يوفّر كل هذا؟ هو فاسد قبل أن يُسأل “من أين لك هذا؟”.

وكيف لمسؤول أمني أن يمتلك ما امتلكه القاضي، ويساهم في المصارف، ويشتري الأسهم في الشركات، وأن تحوي خزنته المنزلية عشرات ملايين الدولارات، ثم يحاضر بالعفة؟

وكيف لموظف في دائرة الضريبة على القيمة المضافة أن يمتلك أبنية في أحياء راقية ويبيع من خلالها الشقق الفاخرة بذريعة أن له قريباً في الخارج يدير له الاستثمار في لبنان، فيما أعمامه وأخواله من الأكثر فقراً؟

ثم يقولون لك “هات الإثبات” على ما تقول. وهل يحتاج الأمر إثباتاً أكثر من الوقائع الظاهرة؟ الدفاع هو حجة الفاسد، الذي يخاف أن تطاوله الموسى، فيفضل ابقاء الوضع على حاله، لأنه عندما تكر السبحة لن ينجو أحد من المحاسبة. وفي هذه الأثناء، ستظل العصابة من كبيرها الى صغيرها توفّر الحماية بعضها لبعض، ولا يهتم هؤلاء لانتماء ديني أو مذهبي أو سياسي، فالفساد دينهم، وهو ما يجمعهم رغم تناقضاتهم في مجالات أخرى.

في الأرقام، خرج مؤشر مدركات الفساد لعام 2019 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، واضعا للبنان في الدرجة 28/100 للعام السابع تواليا ليحتل المرتبة 137 عالمياً من أصل 180 دولة يقيسها المؤشر، مقارنة بالمرتبة 138 من أصل 180 لعام 2018. واستنادا الى “الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية – لا فساد”، الفرع الوطني لمنظمة الشفافية الدولية، فإن هذا التقدّم لا يعكس تحسّن نتيجة لبنان، لا بل ينتج من تراجع لبعض البلدان في المؤشر العامّ. أما على المستوى الإقليمي، فقد تربّع لبنان في المرتبة 13 من أصل 18 دولة عربية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقد بلغ المعدل الإقليمي العامّ 39/100.

مؤشر مدركات الفساد يقيس مدى إدراك المجتمع للفساد في القطاع العامّ بناءً على 13 مؤشراً مختلفاً تعتمدها منظمة الشفافية الدولية، ويمنح المؤشر درجة تراوح من صفر إلى 100 نقطة، فكلما اقتربت الدولة من درجة صفر عكس ذلك ارتفاعاً في مستوى الفساد لديها والعكس صحيح. وقد اعتمد تصنيف لبنان على 7 من أصل 13 مؤشراً للتقويم، كما تجدر الاشارة إلى أن التوقيت الزمني لقياس المؤشر هو من تشرين الأول 2018 إلى تشرين الأول 2019، أي قبل 17 تشرين الأول 2019.

واستنادا الى عضو مجلس إدارة جمعية “لا فساد” الدكتور مصباح مجذوب، فإن 28/100 هي درجة الرسوب التي لا يزال لبنان يستحوذ عليها للعام السابع تواليا، على رغم البرامج الاصلاحية التي تعهدت الاحزاب السياسية تنفيذها من خلال برامجها الانتخابية النيابية لعام 2018، من مكافحة الفساد وتطوير النظام الإداري. إلا أن هذه البرامج لم تُترجم فعلياً، الأمر الذي انعكس على الواقع السياسي والاقتصادي والمالي والنقدي، الذي بدأ من التأخير في تأليف الحكومة، وتعطيل الحكومة أكثر من مرة نتيجة الخلافات السياسية القائمة، وتخلّف لبنان في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والإدارية التي تعهّدت الحكومة تنفيذها في مؤتمر “سيدر”، بدءاً من إقرار سلة تشريعية تتضمن قوانين تُساهم في تعزيز الشفافية والنزاهة، فضلاً عن التأخر في إقرار الموازنة العامّة لعام 2019. كل ذلك أدى إلى إضعاف الثقة ما بين المواطن والسلطة، وابقاء درجة لبنان 100/28، وإلى المساهمة في انطلاق “ثورة 17 تشرين الاول 2019” التي قد تكون حافزاً لتحسين درجة لبنان، وإلا سيكون مصيرنا المزيد من التراجع إذا استمررنا في اعتماد السياسات الاقتصادية والمالية السابقة. وأضاف مجذوب أن لبنان “يمرّ بمرحلة دقيقة، وأن ما يحدث اليوم يحتّم على الحكومة المُشكّلة أن تعيد بناء الثقة الشعبية المفقودة وذلك من خلال، وعلى سبيل المثل لا الحصر:

– إقرار وتطبيق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، التي أطلقتها وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية في نهاية نيسان 2018، وذلك ضمن إطار تنفيذ لبنان اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وأهداف التنمية المستدامة والتزام لبنان تطبيق أجندة الأمم المتحدة للعام 2030.

– وضع خطة عملية لتقويم المخاطر وللتخفيف من مخاطر الفساد في جميع الوزارات والإدارات العامّة ووضع تدابير وقائية عاجلة لمكافحة الفساد في القطاعات المعنية بمؤتمر “CEDRE”، الذي انعقد في نيسان 2018، لا سيما في قطاع الكهرباء والأشغال العامّة، وإدارة النفايات الصلبة.

– تطبيق قانون الحق في الوصول إلى المعلومات بشكلٍ فاعل وتعيين موظف معلومات من أجل تلقّي طلبات المواطنين في الحصول على المعلومات، اضافة إلى تبني مسوّدة الخطة الوطنية للحق في الوصول الى المعلومات.

– اصدار مراسيم تطبيقية لقانون الحق في الوصول إلى المعلومات (28/2017) بشكلٍ تُحترم فيه روحية القانون والدستور والمبادئ الدولية للحق في الوصول الى المعلومات.

واذا كانت المؤشرات سيئة على هذا النحو في الأعوام السابقة، فكيف ستكون عليه بعد انفجار 4 آب 2020 في المرفأ، خصوصاً اذا ثبت أنه ناجم عن إهمال يؤشر الى فساد معظم المعنيين به من مؤسسات وأجهزة؟

المصدر: النهار