//Put this in the section

مصلحة الدولة العليا لا تتحمل أخطاء جوهرية

في حسابات رجال الدولة تعتبر المصلحة العليا للبلاد من الثوابت التي لا يجوز التفريط فيها، أو الإخلال بموجباتها، ذلك أن السياسة التي أصبحت علما متكاملا كبقية العلوم اعتبرت القائد راعيا لمصالح الشعب، ومؤتمنا على تحقيق العدالة بين أفراده، وذكرت الأمثال الشعبية اللبنانية في هذا المجال قولا مأثورا: «من ساس على الكل كان له عقل الكل».

لم ينطبق هذا المثال على واقع الحال، فقد ارتكب قادة لبنانيون في أعلى المراكز بالدولة أخطاء قاتلة، دفع ثمنها الشعب، وتحملت أوزارها المصلحة العليا للدولة، وما يبرهن على ذلك الانهيار الذي تعيشه البلاد اليوم في المجال المالي وفي المجال الأمني وفي المجال السيادي.




وهذه الأخطاء غير المقبولة تتكرر اليوم على شاكلة واسعة بمناسبة العمل على تكليف رئيس جديد يعمل على تأليف حكومة عتيدة، بعد أن استقالت حكومة حسان دياب في أعقاب الزلزال المدمر الذي أصاب بيروت من جراء هول الانفجار الذي حصل في المرفأ في 4 أغسطس 2020.

والخطأ الجوهري الإضافي الذي ارتكبه المسؤولون الرفيعو المستوى في الدولة، كان في إعادة استفزاز شريحة واسعة من اللبنانيين عن طريق التحايل الدستوري، واعتماد المقاربة الخاطئة وغيرالميثاقية في نظام تتوزع فيه الرئاسات طائفيا، أي «إجراء مباحثات على التأليف قبل التكليف».

وقد بدأ مسلسل اعتماد هذا الخطأ الدستوري الجوهري، بعدم إعلان قصر بعبدا عن جدول الاستشارات النيابية لاختيار رئيس مكلف، وفقا لما ينص عليه البند 2 من المادة 53 من الدستور، حيث درجت العادة على تحديد الاستشارات النيابية فور الطلب من الوزارة المستقيلة تصريف الأعمال، لأن تصريف الأعمال في الفقه الدستوري في كل أنحاء العالم يعتبر مرحلة مؤقتة وقصيرة، ولا يجوز إطالتها عمدا، لا من قبل رئيس الجمهورية، ولا من قبل رئيس الحكومة المكلف، وهناك دول تعطي مهلة ملزمة لتشكيل حكومة جديدة لا تتجاوز شهرا واحدا، لأن عدم وجود حكومة يلحق الضرر بمصلحة الدولة العليا، وفي لبنان على وجه التحديد يؤثر الفراغ سلبا على مصالح الناس، لأن المادة 65 من الدستور أناطت السلطة التنفيذية بمجلس الوزراء.

وما زاد الطين بلة، أن المشاورات الجانبية للاتفاق على تسمية رئيس حكومة مكلف، حصلت خارج الإطار الدستوري، وقد تولى رئيس مجلس النواب نبيه بري، وبإيحاء من رئيس الجمهورية، قيادة مشاورات للاتفاق على الاسم مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ومع قيادة حزب الله، والفريقان يثيران حساسية مفرطة لدى جمهور الطائفة السنية التي يمثلها رئيس الحكومة وفقا للعرف الدستوري، وهذا الجمهور ومعه غالبية لبنانية أخرى يشعرون أن الفريقين همشا الرأي العام وسببا الانهيار الذي حصل في البلد، وهما يحاولان مجددا الاستئثار بمقدرات الدولة، رغم أنهما يتحكمان حاليا برئاستي الجمهورية ومجلس النواب، ويريدان فرض رئيس حكومة يتوافق مع مصالحهما، وذلك في تحد لإرادة الغالبية الشعبية الواضحة التي تطالبهم بالاستقالة أو بإجراء انتخابات مبكرة، أو بتقديم تنازلات جوهرية والانكفاء على أقل تقدير.

أما رئيس تيار المستقبل سعد الحريري الذي يجب أن يضطلع بالدور المحوري في تشكيل الحكومة الجديدة فيبدو مربكا، أو متساهلا، أو أن لديه حسابات خاصة. وهو لم يقدم على أي خطوة يمكن أن تشكل إنذارا للذين تمادوا في التجاوزات التي أضرت بمصلحة اللبنانيين، والحريري يملك أوراقا عدة يمكن أن يلعبها لخدمة لبنان واستقلاله، لاسيما بعد صدور الحكم الواضح من المحكمة الدولية في قضية استشهاد والده.

الأخطاء الفادحة التي يرتكبها رموز الدولة تتكرر، والشعب اللبناني يعيش بين الفوضى أو القمع من جهة والفقر والجوع من جهة ثانية.

الأنباء