//Put this in the section

هل أوشكت سبل عودة الحريري إلى السرايا على الانسداد أم أن جهود بري لا تزال قابلة للنجاح؟

ابراهيم بيرم – النهار

في الظاهر للعيان، يبدو أن مسار الأمور السياسي، ماض نحو أزمة باستيلاد حكومة جديدة تحل محل حكومة الرئيس المستقيل حسان دياب، وإن هذا المشهد يبدو “طبيعي روتيني” في بلد كلبنان، تحتاج عملية تأليف وزارة العادية أشهرا لا تقل عن ثلاثة، وقد تصل الى 7 أشهر (حكومة تمام سلام وقبلها نجيب ميقاتي).




هذا في الأحوال الطبيعية أو شبه الطبيعية، فكيف، وإن البلاد تعيش منذ تشرين الأول الماضي وإلى اليوم، تداعيات أزمات متعاظمة اجتماعية ومالية وأمنية وسياسية، واستتباعا صحية؟

وفي العمق، المسألة تبدو وفق آراء متقاطعة، أكثر تعقيدا من أي وقت مضى، منذ ان صارت السياسة في البلاد تسري تحت اتفاق الطائف ودستوره وترتيباته “وألاعيب الذين نصبوا كقيمين على تنفيذه وحراسة هيكله”، إنها بمعنى أكثر وضوحا لحظة “التعثر والتشرنق”، التي وضع كثر في حساباتهم الرهان على حلولها منذ أعوام، بحيث صار يصعب كثيرا والحال هذه اتباع النهج السابق اي اللجوء الى ضخ جرعات انعاش وحيوية في جسد هذه التركيبة تحول دون نواتها.

في الأعوام الثمانية العشر الماضية التي تلت أول حكومة للرئيس رفيق الحريري، كان ثمة من يسارع إلى التكفل بتأمين هذه الجرعات، تارة عبر الشخصية القوية للرئيس الشهيد وحضوره المميز، وتارة أخرى عبر جرعة “الوديعة السعودية أو سواها”، وطورا عبر مؤتمرات باريس الثلاث التي تكفل بها الرئيس الفرنسي القوي جاك شيراك كرمى لعيون صديقه الرئيس الحريري، إلى عبوات اوكسيجين من هنا وهناك أبرزها السياسة النقدية “الطرابشية” التي اتبعها حاكم مصرف لبنان بالتواطؤ مع جمعية المصارف.

ولكن ما بدأت تتلمسها الآن نخب سياسية واقتصادية أن صفحة الانعاش والانقاذ تلك، والتي أطالت بعمر التركيبة السياسية وغطت على مثالب ادائها وسوء ادارتها للوضع هي الى انطواء وذلك لاعتبارات عدة:

– الفراغ المدوي الذي خلفه غياب الرئيس الشهيد والعجز الفاضح لورثته عن ملء الفراغ واستغراقهم لسياسة الصراعات الداخلية وافتعال خطوط تماس مع قوى 8 آذار.

– فقدان البلد “لوظيفته” كساحة تصويب وتثبيت حضور وبوابة مقارعة الخصوم والأعداء في نظر عواصم عربية فاعلة ومؤثرة وتحديدا الرياض التي لا تكف أخيرا عن ابلاغ من يعنيهم الامر أنها توشك ان تخلي الساحة، ولا سيما وقد نفضت يدها ممن كانت تعتبرها حلفاءها وذراعها الضارب لأسباب لا تحصى.

– التعاظم التدريجي لدور قوى تضعها دول عربية وعواصم غربية في مصافي “الاعداء الشرسين والخطرين” وفي مقدمهم بطبيعة الحال “حزب الله”، الذي اشتد ساعده داخليا وامتد بساط نفوذه الى الاقليم (سوريا، العراق، اليمن، فلسطين..).

– الفساد غير المحمول الذي استشرى في جسم الدولة والادارة في الاعوام الأخيرة، واستحال حالة مستعصية يصعب التستير عليها ويستحيل التعامي عنها خصوصا بعد الانهيار المالي المريع في الاشهر الثمانية الماضية، والذي بلغ حد اشهار الافلاس.

والمعلوم أن كل هذه الوقائع العنيدة قد تعاظمت وتكشفت أكثر ما يكون بعد انفجار المرفأ في 4 آب الحالي، وما تلاها من استقالة حكومة الرئيس حسان دياب. ولا يخفي محيطون برئيس مجلس النواب انه كان السباق في استشراف مآلات الامور وفي الاقامة المبكرة على استنتاج فحواه ان التركيبة السياسية كلها، بما تنطوي عليه من تفاهمات ومحاصصات ومعادلات معتادة ومألوفة باتت وجها لوجه أمام خطر الاحتضار والزوال.

لذا، سارع بري الى تدارك الوضع وتلافي ما يدرجه في خانة الاحتمالات الاسوأ وفي مقدمها:

– أن يكون هناك من يستغل الانهيار الحاصل وغير المسبوق على كل المستويات لميلأ الفراغ بتركيبات معدلة أو جديدة تفضي لاحقا وتدريجا الى الاطاحة بالتركيبة الحالية، تحت وطأة عدم القدرة على اعادة عجلة الامور الى الوراء، وتاليا فرض أمر واقع مختلف لا قبل ولا قدرة على مواجهته والتصدي له.

– واستشعارا بذلك كله، بذل بري ويبذل هذا الجهد الاستثنائي الجبار لـ”تعويم” الرئيس سعد الحريري، وايجاد “سيبة” سياسية تؤمن له العودة المأمونة الى سدة الرئاسة الثالثة مرة أخرى.

فالحاضرون في اجواء عين التينة يفتحون عيونهم دهشة واستغرابا وهم يتابعون جهود بري وهم يحاول جاهدا اقناع رئيس الجمهورية لاسقاط اعتراضه على عودة الحريري الى المنصب الذي تخلى عنه قبل أشهر، وهم أيضا يرصدون بري وهو يستعمل براعته ويسرد براهينه لاقناع رئيس التيار الوطني الحر بالتخلي عن معارضته وعدائه للحريري ويلتحق بحلف رباعي جديد من شأنه أن يرأب الصدع ويمسك الوضع.

ووفق العالمين ببواطن الامور، فإن بري بات على قناعة بأن الحيلولة دون تأمين عودة الحريري الى سدة الحكم يعني في الحسابات الضمنية الضيقة بأن ثمة قرارا جديا عميقا بشطبه (الحريري) من المعادلة السياسية حاضرا ومستقبلا وتطبيع الوضع على أساس ان الحكومات في بيروت يمكن أن تتألف من دون الحريري، خصوصا ان الرجل بدا أخيرا وكأنه مقصوص الاجنحة وبلا حلفاء وداعمين، بعدما جاهرت 3 قوى أساسية (“التيار الوطني الحر” والحزب التقدمي الاشتراكي و”حزب القوات) بتمنعها “لحد الان” عن تسميته، وهو ما يلاقي في الوقت عينه اعتراضا اقليميا ودوليا، فبدا الحريري بذا في وضع “اللاجئ السياسي” عند الثنائي الشيعي الذي يجهد بركنيه لتأمين عودته.

وفي محيط عين التينة أيضا من يتحدث عن أن الحريري اذا ما حيل ثانية بينه وبين الرئاسة، فثمة تخوف من أن سبل عودته الى هذا المنصب باتت موصدة تماما.

وعليه، وفق هؤلاء فإن هذا المآل المحتمل للحريري يعني بالنسبة للمحيطين ببري والسائرين في ركابه أمرين اثنين:

– انه بداية “تكسير” قوائم النخبة السياسية التي تربعت على دست الحكم طوال الاعوام العشرين الماضية وانقلاب الصورة والطاولة.

– ابعاد الحريري وما يمثله من شأنه تلقائيا ان يسهل على الآخرين ان يفرضوا شخصية سنية لتولي هذا المنصب وقد تكون من خارج حسابات بري وحلفائه فيكون ساعتها مضطرا لخوض معركة مواجهة الامر الواقع المفروض.

ولهذا كله، فإن بري لن يبدي يأسا او يظهرهوانا وتراجعا في ما شرع به، وهو ماض الى النهاية في “معركة” استرداد زعيم “المستقبل” لملكه السياسي المهدد بالضياع والتبدد. علما أن بري وان كان لا يهمه اطلاقا ان يبلغ الحريري هذا الوضع “المأزوم” فإنه يعتبر بينه وبين نفسه ان ثمة مسؤولية كبرى تقع على عاتق الرجل عندما تنحى بعد ايام على انطلاق حراك تشرين، وصم أذنيه عن كل النداءات والنصائح بالمواجهة وتحمل المسؤوليات لان الفرص “تمر مر السحاب” وأن حسابات العودة على “حصان أبيض” بعد اخفاق الاخرين قد لا تتطابق مع حسابات بيدر الوقائع والمستجدات.