//Put this in the section

هل يخفّف الردّ العاقل لـ”وليّ الدم” ”اندفاع الحزب”؟

سركيس نعوم – النهار

عندما أُنشئت “المحكمة الخاصة بلبنان” بقرار من مجلس الأمن الدولي، ثم بدأت العمل للنظر في اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005 استناداً الى التحقيقات التي أجراها محقّقون ثلاثة كبار بتكليف منه أيضاً وبمعاونة عدد كبير من المتخصّصين ينتمون الى دول عدّة، اعتبر “حزب الله” وسوريا اللذين وجّه إليهما لبنانيو 14 آذار تهمة اتخاذ قرار الاغتيال والتخطيط لتنفيذه ثم تنفيذه، عندما حصل ذلك كلّه اعتبر هؤلاء أن المحكمة لا تعنيهم، وأن الهدف منها سياسي وهو النيل منهما عقاباً لهما على التعاون بل التحالف مع الجمهورية الاسلامية الايرانية، وعلى مساعدتها في تنفيذ مشروعها التوسّعي الاستراتيجي، كما على استهداف إسرائيل غاصبة فلسطين والقدس والمصرّة على استكمال “دولتها التاريخية” وعلى التحوّل جزءاً من الشرق الأوسط بقبول دوله من دون إعادة أي من الحقوق الى الفلسطينيين وصاحبة قرار أساسي فيه. وقد كرّر “الحزب” هذا الموقف أكثر من مرة كان آخرها في الظهور التلفزيوني لأمينه العام مساء يوم الجمعة الماضي. طبعاً تمسّكت سوريا بالموقف نفسه أيضاً. لكن ما تعرّضت له منذ عام 2011 من ثورة إصلاحية شعبية سلمية تحوّلت عسكرية بقمع النظام لها، ثم بدخول التنظيمات الإسلامية المتطرّفة جداً فيها بتسهيل منه ودعم من دول إسلامية عدّة عربية وغير عربية، فشغلها ذلك عن كل شيء آخر من دون أن يغيّر شيئاً في موقفها.




أُضيفت الى المحكمة تهمة التسييس بعد إقدام لجنة التحقيق الدولية بل بعد توجيهها اتهامات لضباط لبنانيين أربعة بالاشتراك في الاغتيال فأوقفوا حوالي أربع سنوات ثم خرجوا بقرار تبرئة من “المحكمة الخاصة”. كما بعد اكتشاف شاهديْ زور استند إليهما التحقيق وقد يكون أحدهما أو الاثنين معاً دُفعا الى “الزور” بالتواطؤ مع المتهمين بالاغتيال لتثبيت ما يعتبرونه تواطؤاً دولياً – إسرائيلياً للنيل منهم أو للقضاء عليهم. طبعاً هذه مقدمة تاريخية إذا جاز التعبير على هذا النحو. وكان لا بد منها لأن الحكم في اغتيال الشهيد الحريري صدر قبل يومين ولأنه أثار شعورين في نفوس عائلته كما في نفوس شعبه والشعبيْن الآخرين المتضامنيْن معه في موقفه السلبي من “حزب الله”وسوريا الأسد وإيران الاسلامية. الشعور الأول عفوي عبّر عنه الناس بصوتٍ عالٍ كما بصوت خفيض، وهو خيبة الأمل لأنهم كانوا ينتظرون بمشاعرهم وليس بعقلهم حكماً صارماً يجرّم مقرّر الاغتيال أو مقرّريه والمخططين له ومنفذّيه، وهم في رأيهم سوريا و”الحزب” وإيران. لكن ما سمعوه على شاشات التلفزة لم يكن بقدر طموحاتهم. ذلك أن الحكم الصادر نأى بنفسه تماماً عن قيادة “حزب الله” أي برّأها كما برّأ ثلاثة من أعضائه وجرّم واحداً علماً أن جريمة كهذه تحتاج الى دول تقرّرها وتخطّط لها وتنفّذها بواسطة جهات وأفراد ينتمون اليها. أما المتهم الأخير أي الخامس فقد توقّفت محاكمته بعد وفاته في سوريا في ظروف يعتبرها أعداؤه مشبوهة ومحبّوه استشهاداً في معركة جهادية ضد التكفيريين. أما الشعور الثاني فقد عبّر عنه أولياء الدم أي عائلة الشهيد رفيق الحريري ونوّاب “تيار المستقبل” الذي أسّسه. وكان قبول قرار المحكمة لأسباب عدّة منها أن التقرير الذي صدر عنها بالحكم الذي فيه جرّم عضواً قيادياً ربما وعملياً أي فاعلاً، وكان يمكن أن يجرّم الخامس لولا انتقاله الى العالم الآخر. ومنها أيضاً أنه شرح دور سوريا الأسد الابن وإن من دون تجريمه رسمياً في الظروف الصعبة التي عاشها لبنان ومعه الحريري الشهيد منذ قرّرت تمديد ولاية رئيس جمهوريته إميل لحود خلافاً للدستور، ومنذ مارست الضغوط الشديدة عليه في زيارته الأخيرة لدمشق قبل مقتله التي لم يُسمح له بالجلوس فيها، إذ أُبلغ من أعلى المراجع “وعلى الواقف أن لا حلّ أمامه إلّا السير بالتمديد. وهذا قرار تتخذه سوريا”. واللبنانيون يتذكرون أن دماءً سالت في حينه من أنف الشهيد علماً أن الضغوط تضاعفت بعد مؤتمر البريستول الذي شارك فيه رسمياً بمسؤولين مهمين من كتلته النيابية وضمّ كل المعترضين على تصرفات سوريا والمطالبين بخروجها من لبنان. ومنها ثالثاً أن المحكمة لم تنجز مهماتها كلها بعد. إذ عليها متابعة النظر في محاولة اغتيال النائب (السابق الآن) مروان حمادة والإعلامية مي شدياق والوزير السابق الياس المر والشخصية الوطنية اليسارية جورج حاوي والنائب والإعلامي جبران تويني ثم الإعلامي سمير قصير وربما الوزير السابق محمد شطح كما عليها النظر في استئنافات قد يقدمها أولياء الدم الحريري أو الدم المؤيّد له أو الدم الذي كان أصحابه مارّين بالصدفة يوم الاغتيال في المنطقة أو عاملين فيها. من الأسباب رابعاً أن المسؤولية الوطنية تفرض على وليّ الدم أو أبرز أوليائه الرئيس سعد الحريري أو فرضت عليه سابقاً إجراء “ربط نزاع” مع “حزب الله” لمنع نشوب اقتتال مذهبي سنّي – شيعي في بيروت يمكن أن ينتقل سريعاً الى مناطق أخرى، وقد لا تستطيع “شعوب” لبنانية أخرى النأي بنفسها عنه، كما لانتظار نضوج ظروف إقليمية ودولية من شأنها حسم أوضاع الداخل اللبناني على نحو يرضي شعباً أو يُغضب شعوباً أو يُرضيها كلّها أو يُغضبها كلها. علماً أن الموضوعية تقتضي الإشارة في هذا المجال الى حاجة “حزب الله” أيضاً الى هدوء وإن بالغ الحذر في لبنان وذلك لا يوفّره إلا الحريري. وعلماً أيضاً أن الموضوعية نفسها تقتضي الإشارة الى حاجة الحريري للبقاء في الموقع القيادي السنّي شعبياً ورسمياً أي حكومياً.

طبعاً لا يمكن إغفال أن مجزرة بيروت ومرفئها في الرابع من آب الماضي ساهمت في دفع الأطراف المعنيين كلّهم باغتيال الحريري الأب وبالحكم الصادر فيه أمام مسؤولية الحذر وعدم التهوّر نظراً الى حجمه وتداعياته الإنسانية الحالية وتداعياته الوطنية المقبلة وخصوصاً بعدما انتقل الصراع الإقليمي والدولي مع “حزب الله” الى لبنان أرضاً ومياهاً، وبعدما أحيا ذلك طموحات شعوب ثلاثة كانت خمُدت بسبب خلل في ميزان القوى وأجّج ذلك مخاوف شعب آخر بقيادته الثنائية. ووضع كهذا ينذر بتطورات سلبية جداً في لبنان قد لا تبقى المنطقة بعيدة عنها. في النهاية قد لا يصدّق كثيرون وخصوصاً في لبنان أن قيادة “حزب الله” بريئة من دم الشهيد الحريري. إذ أن المجرّم فيها عضو فيه والمشتبه فيهم الذين برّئوا لعدم كفاية الأدلة أعضاء فيه والخامس الذي قُتل في سوريا عضو فيه أيضاً. وقد يكون موقفهم مبرّراً لهذا السبب سأسرد معلومة أطلعتني عليها شخصية رسمية مهمة جداً بعد وصولها الى موقعها في أعقاب حرب تموز 2006 تفيد أن الأمين العام لـ”الحزب” السيد حسن نصرالله لم يكن على اطلاع على عملية خطف مقاتلين من الحزب جنوداً إسرائيليين من على حدود “بلادهم” مع لبنان. وأكد لي ذلك وأطلعني على مصدر خبره هذا. طبعاً لم أنشر هذه المعلومة في حينه ولم أتحدث عنها إلّا قبل سنوات طويلة ومرّة واحدة مع الزميلة “وردة” يوم كانت في “صوت لبنان” الذي صار “صوت كل لبنان” وأذكر أنني قلت يومها وعلى الهواء: إذا كذّبني أحدٌ سأذكر اسم “المصدر” ومرّ الأمر بسلام. طبعاً البعض فسّر بذلك قول السيد نصرالله فور بدء إسرائيل عملية تموز 2006 قبل تحوّلها حرباً بموافقة أميركية: “لو كنت أعلم”. وبعد انقضاء هذه المرحلة أمسك نصرالله الحزب “بهيئاته المتنوّعة” وبالتشاور مع إيران طبعاً، ولا سيما بعد الانتصار العربي الثاني (الأول تحرير لبنان من احتلال إسرائيل) وربما الوحيد على إسرائيل منذ اغتصابها أرض فلسطين وتهجير شعبها منها. كما نجح في أن يصبح الموضع الأول لثقة نظامها ومرشدها والولي الفقيه فيها آية الله علي خامنئي وكذلك لثقة الحاج قاسم سليماني أحد أقوى رجالاتها الذي قُتل في غارة أميركية على مطار بغداد قبل أشهر. في هذا المجال قد يعتبر البعض أن “المحكمة الخاصة بلبنان” مسيّسة وهي ليست كذلك، لكن ربما تكون السياسات الدولية أثّرت على نتائج تحقيقاتها فصدرت مجتزأة في نظر البعض. فالدول الكبرى والمتقدمة جداً لم تزوّد المحكمة على الأرجح المعلومات والمعطيات الكثيرة التي تمتلكها عن هذه الجريمة والتي من شأنها إفساح المجال أمام إصدار حكم شامل أي يتناول قرار الاغتيال والمخطّطين له ومنفّذيه.