//Put this in the section
الفنان الجزائري عبدالحليم كبيش يتحوّل إلى جزء من اللوحة/ المأساة

الألوان تَلبس هواجس المأساة اللبنانية

“شظايا بيروت” عمل للفنان الجزائري عبدالحليم كبيش، قد يكون حتى الآن من أروع ما عبّر عن جرح بيروت العميق كجرح كوني يفوق بأهميته التعبيرية ما قدّمه عمالقة الفن عن تجلي النهايات الأبوكاليبتيكية، ومنهم الفنان البريطاني جون مارتن والفنان هيرونيمس بوش.

كتب أحد الأصدقاء الفيسبوكيين تعليقا على لوحة الفنان الجزائري هذه التي اجتاحت شبكات التواصل الاجتماعي “شكرا لكل شخص تضامن معنا، لكن دمنا الذي يسيل على الأرض، ليس من الضروري أن يتحوّل بهذه السرعة إلى لوحات فنية”.




تضامن مع الذات

في هذا التعليق الكثير والكثير ممّا يُمكن أن يقال عن معنى التشكيل بشكل عام ومعنى جرح بيروت الذي تجلى في هذه اللوحة بشكل خاص. وربما يمكن اختصار كل ما يمكن اختصاره بالتالي: نودّ أن نذكر أولا كتمهيد للردّ على التعليق الآنف ذكره، ما قاله الفنان الجزائري في إحدى المقابلات غير المتعلقة بهذه اللوحة بشكل خاص.

قال “حياتك تذهب في بعض اللوحات.. ممكن أنه عندما تكمل 500 لوحة تنتهي حياتك. نعيش من المخاض إلى الولادة لأجل لوحة معينة، فلا بد من وجود ظروف محيطة، صمت، مكان منعزل عن العالم، لذلك من الجانب النفسي الكثير من الفنانين التشكيليين يعيشون نوعا من الحزن في حياتهم والغربة والحرمان. وحاليا الفنان التشكيلي ليس سعيدا في حياته بصراحة.. خلال المعرض قد تجد الفنان سعيدا، لكن باقي اللحظات فهو يعيش معاناة كبيرة، نعم من ينجح في هذه الظروف فهو العبقري، إذا صادف وأن وجدنا فنانا يبقى أمام لوحاته 40 سنة، فهو قوي جدا.. أعرف أنني ولدت لكي أكون فنانا”.

هكذا وباختصار وببساطة شديدة لخّص الفنان ماذا يعني أن تكون فنانا، يعيش واعيا ومنعزلا في آن واحد، وسط جراحه الشخصية وجراح المحيط الذي يختنق يوما بعد يوم بآلام منهمكة بارتداء كل يوم ثوب جديد أكثر دموية من الذي سبقه.

الفنان الحقيقي، في هذا السياق كالمأساة المتجولة على قدمين، تحمّل ويتحمّل عبء ارتداء تلك الأثواب المتتالية بهدف تخليد ذكرى كارثة ما لها أهمية كبرى على المدى البعيد جدا، وتكشف في الآن ذاته الكثير من أوهام وفضائع الماضي.

“شظايا بيروت” مساهمة فعالة لإقصاء الخديعة والتزوير المتربصَين بالضحية المباشرة ألا وهي لبنان

تخليد مرجّح أن يكون لصالح الضحية الكاملة: أي لصالحه هو كفنان يتطهر من أوجاعه، ولصالح الضحية المباشرة التي هي في حالة لوحة “شظايا بيروت”، لبنان من خلال عاصمته بيروت.

في عمل الفنان الجزائري عبدالحليم كبيش مساهمة فعالة في إقصاء الخديعة والتزوير المتربصين بالضحية المباشرة: لبنان من خلال بيروت. إنه إعلان تعاطف فيه الكثير من الصدق. وكيف لا يكون الفن في هذا السياق “مأساة متجولة” ومُستعرضة وفاعلة في أخاديد السياسة العالمية، وقد ساهمت، وعلى سبيل المثال، الأعمال الفنية الفلسطينية الفذّة الجنائزية والكابوسية على السواء ولا تزال ستساهم مستقبليا بشكل أكبر في تكريس فكرة فلسطين الأقوى من أي واقع فرض فرضا، لأن الفكرة الحية هي نبع لا ينضب يرفد كل واقع سياسي قابل للتبدّل حتما؟

مأساة مفتوحة

للصديق الفيسبوكي ولكل من حذا حذوه، نقول: أولا، إن الفنان الجزائري بحكم كونه فنانا حقيقيا “تضامن” مع جرحه الخاص (لذا لا داعي لشكره) الذي تلاقى مع جرح بيروت فدوّى على القماش الخام؛ روحه وجسده على السواء في لحظات الممارسة الفنية. ولو لم يكن هذا الجرح مؤلما لما أنتج لوحة بهذه الروعة، وصل نهاره بليله كي ينجزها.

ثانيا، دماء بيروت ليست فقط “دمنا الذي يسيل على الأرض” هي لا تخصنا وحدنا. إنها دماء الكون وكل ما حضن من هرطقات وأكاذيب، وأوهام، وأحقاد، واستعراض قوة، وتقهقر الإنسانية أمام وحوش المال والسلطة.

أما ثالثا، وفي ما يتعلق بقول الصديق “ليس من الضروري أن يتحوّل بهذه السرعة إلى لوحات فنية”، فنقول إن ضرورة الفن وكيفية تمظهره لا يفقهها إلاّ أصحاب الأعمال الفنية. منهم من ينتج بعد سنوات ومنهم من لا ينتج إطلاقا بل يظهر تعبيره عن المأساة عبر لوحات ليست لها علاقة مباشرة بالموضوع.

مأساة تتجوّل على قدمين
مأساة تتجوّل على قدمين

ومنهم من “يضرب الحديد وهو حام” (ساخن). والحالة الأخيرة تصف حالة الفنان الجزائري المعروف عنه ميله الفني الشديد إلى التعبير عن المآسي الإنسانية بشكل عام.

ثم إن القول “بسرعة التحوّل إلى اللوحات الفنية” فيه الكثير ممّا يشي باعتبار الفن إما ممارسة انتهازية أو ممارسة هامشية غير ملتزمة ينبغي لها أن تتروّى وتلجأ إلى حضن أريكتها، وتفرغ من شرب فنجان قهوتها المطحونة ببودرة الألوان قبل أن تنهض مترنحة وتشرع، مشكورة، برسم هذا الجرح أو ذاك الذي ليس هو في الأصل بجرح، بل تجل فولكلوري جرى تظهيره في هذا أو ذاك الوقت.

في اللوحات يمكن للروح أن تنزف عضويا وتتدفّق في نزيفها شرايين منفلتة وشظايا من نسيج جسد لا يريد من أحد أن يزيل أو يرأب ما ألمّ به، بل يريد أن يستعرض ذاته خارج إطار الزمان والمكان الذي وقعت فيه المأساة، ليعلنها مأساة مفتوحة.

لوحة الفنان عبدالحليم كبيش هي لوحة مُضاعفة عن جُرح مُضاعف. شخصي وكوني. وقد ظهر في صورة فوتوغرافية مرتميا على الأرض “تشكيليا” وامتدادا حسيا لآفاق لوحته/ مولودته، مُنهكته.

يذكر أن الفنان الجزائري عبدالحليم كبيش من مواليد 23 أكتوبر عام 1972 في جيجل (شرق الجزائر)، وهو حاصل على دبلوم الدراسات العليا من “المدرسة العليا للفنون الجميلة” سنة 1998 في تخصص الرسم الزيتي. له العديد من المشاركات على المستوى المحلي الوطني والدولي. وهو حائز على الميدالية الذهبية الخاصة بمختلف الاتجاهات الفنية التشكيلية، والميدالية الفضية الخاصة باتجاه الفن التعبيري المعاصر في المسابقة العالمية لمحترفي الفن، التي نظمتها الأكاديمية العالمية للفنون بفرنسا.

العرب