//Put this in the section

التيار الوطني الحر.. الانشقاقات تتوالى وأربعة نواب في طريقهم للخروج

لا يعيش التيار الوطني الحر في لبنان أحلى أيامه، لا بل ما عاشه في السنوات الماضية من “مجد” يبدو أنه انتهى بسرعة فائقة. إذ أن 70 بالمئة تمثيل للمسيحيين انتهت منذ مدة، أنهتها فعلياً الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2018.

لم يعد ذلك التيار يُمثل غالبية، ولا يعني ذلك أنه لم يعد يُمثل، لكن الحقيقة الثابتة أن عناصر انهياره ظهرت بشكل واضح منذ 17 أكتوبر وهي مع الوقت تكبر، ولا يبدو في الأفق أي مؤشر على توقفها أو تراجعها بأحسن الأحوال.




استقالات الصقور

مؤخراً، حصلت الكثير من الاستقالات من وجوه كانت تُعتبر صقوراً في داخل الحالة العونية وليس فقط التيار كحزب. ابتعدوا عن التيار ولم يلتزموا الصمت بل العكس، جاهروا أن هذا الحزب “لم يعد يناسبهم” وأن ما حصل منذ وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية “أقرب ليكون فضيحة بحق كُل من آمن به على أنه سينتقل بلبنان إلى مكان أفضل”.

إلى وقت قصير، كان الفنان زين العمر، والذي هاجر مؤخراً إلى كندا، أشد وأشرس المدافعين عن العهد وإيمانه بالرئيس لا يتزحزح. الآن هو خارج التيار، أعلن “تخلّيه عن كل زعمائه”. كذلك، كان لجوزيف أبو فاضل وهو محلل سياسي لبناني معروف بشراسته في الدفاع عن عون وتياره بشتى الوسائل التي تصل أحياناً إلى شتم من يختلف معه، اليوم هو ممتعض.

أبرز هؤلاء المنشقين كان المدرب غسان سركيس الذي يحظى بشعبية بين اللبنانيين لما حققه للرياضة بشكل عام، وكان من أشد المتحمسين لميشال عون، ومن المدافعين عنه وعن حلفائه.

اليوم، يقول سركيس في العهد ما لم يقله أشد المعارضين: “تبيّن أن العماد عون هو بائع أوهام. فمنذ وصوله إلى قصر بعبدا حتى اليوم، خلف بكلّ وعوده ولم نشهد أيّ تحسّن”. يقول أكثر من ذلك بكثير.

وفي المحصلة يبدو أن موجة الرحيل عن التيار لن تتوقف إذ تشير معلومات موقع “الحرة” إلى أن الأيام والأسابيع القادمة ستشهد المزيد من الانشقاقات ومنها على مستوى قيادي.

يُبرر المنشقون عن “الوطني الحر” قرارهم بأن “التيار ابتعد عن تاريخه ونهجه”، خاصة بعد وصول عون إلى رئاسة الجمهورية، إذ كان مشروع هذا الحزب السياسي الأول هو وصول عون إلى قصر بعبدا وكان يعتبر أن هذا الوصول سيؤدي إلى تحوّل كبير في لبنان. لكن عملياً، ما حصل هو العكس، والحالة العونية التي كانت موجودة سابقاً لم تعد كما هي الآن، بل ضعفت كثيراً وهذا ما أدى إلى ضعف التيار.

يقول سركيس في حديثه لموقع “الحرة”: “كنا نأمل من التيار الوطني الحر أن يعوّض على اللبنانيين ما قاسوه زمن النظام الأمني المخابراتي وزمن الحرب والميليشيات. حينها كان يعد بأن كل شيء سيتغير ووضع لدينا أملاً كبيراً بالتغيير نحو الأفضل ولهذا كنا معه وآمنّا بهذا الخطاب”، ويضيف: “لكن تبين أن كل هذه الشعارات لم تكن حقيقية”.

ويتابع”اعتقدنا أن التيار أتى ليحارب الإقطاع فإذ بنا نجد أنه يتبنى الإقطاع، وُعدنا بانتخابات فوجدنا أنه في النهاية تمّ تعيين جبران باسيل رئيساً وألغى الانتخابات بعد أن وجد أنه قد يخسر في حال خاضها. ثم قالوا لنا فصل النيابة عن الوزارة لنكتشف أن كُل هذا ينتهي حين يتعلّق الأمر بجبران”. والكلام لسركيس.

نقطة التحول بين سركيس والتاير كانت انتخابات كرة السلة. يقول: “طُلب مني أن أدعم أحد الأشخاص لانتخابات اتحاد كرة السلة فرفضت لأنني لا يُمكن أن أدعم شخص لا يعرف شيئاً عن اللعبة ولم يمارس الرياضة بحياته. ودعمت بحسب قناعاتي شخصاً يستحق أن يصل فاستدعوني إلى تحقيق حزبي وسمعوا ما يجب أن يسمعوه”.

بالنسبة لسركيس “كان ميشال عون يحكي بلسان الشعب، اليوم هو ينطق بلسان الكرسي. كل الجيل الشاب قطعوا اتصالهم به، ولا أتحدث فقط عن التيار أو المسيحيين. أنا أعني كل لبناني، وكل شباب لبنان لا يثقون برئيسهم وهو في الوقت نفسه لا يعرف همومهم، وبالتالي هم لا ينتظرون منه أي شيء. ها هم مع الأسف يسافرون”.

ويضيف: “رئيس بعد انفجار يُعد من الأكبر في التاريخ، لا ينزل ليمشي بين شعبه وناسه هو ليس برئيس. ببساطة هذا أفشل وأسوأ عهد”.

ما يتحدث عنه سركيس هو حالة يبدو أنها تتوسع كثيراً مؤخراً داخل الحزب الذي تركه مدرب كرة السلة منذ مدة ليست بقصيرة. وتقول مصادر مطلعة على ما يجري داخل أروقة التيار الوطني الحر لموقع “الحرة” إن “هناك حالة من التململ لدى الكثير من القياديين، وهناك مسؤولين مركزيين ومنسقين حاليين يعتبرون أن البقاء في التيار صار صعباً لا بل مستحيلاً وأنهم غير قادرين على البقاء في مركب يغرق سريعاً ولا أفق لأي محاولة لإنقاد ما تبقى منه”.

قبل فترة، انشق عن التيار وعن تكتل لبنان القوي النائب ميشال ضاهر. ومن المعروف عن رئيس التيار النائب جبران باسيل أنه يبحث خلال المعارك الانتخابية عن مرشحين يستفيد منهم مالياً ليموّلوا حملاته الانتخابية، وفي انتخابات 2018 كان ضاهر أحد هؤلاء، وهو اليوم خارج التيار لاعتراضه على سياسة الحزب الذي ترشح معه إلى الندوة النيابية قبل سنتين.

تحديداً بعد انشقاق ضاهر، ظهر كثير من التململ داخل التيار. منسق قضاء الكورة شمال لبنان، جوني موسى، عبّر حينها عّما يُفكر فيه كثر داخل التيار، إذ قال ما معناه إن “التيار ترك كل المناضلين ومن يؤمن بالقضية وبلبنان كما نريده من أجل أن يأتي بمن لديه المال، وها هم يتركونكم عند أول مفترق طرق”.

التيار قطع مع الماضي ووعوده

ما عبّر عنه موسى هو حالة عامة صارت تقريباً لا تنحسر فقط في العتاب على اختيارات، بل حنق وغضب من سياسات التيار في المرحلة الماضية.

وتقول المصادر: “تيار اليوم قطع مع كل الماضي. اليوم صار هناك كثر في داخل التيار يحملون مسؤولية ما آلت إليه الأمور إلى رئيس الجمهورية لأنه ترك كُل شيء بيد جبران باسيل. وقبل فترة كان هناك فصل بين عون وباسيل، اليوم تقريباً صار الانتقاد للاثنين معاً”.

حين بدأت انتفاضة 17 أكتوبر، كان باسيل ومن خلفه رئيس الجمهورية أكثر المستهدفين. اهتزت الصورة كثيراً. فجأة تحوّل باسيل من الرجل السياسي الأقوى (بعد حزب الله المتحكم بكل شيء) إلى شخص لا يستطيع أن يمشي في الشارع.

حاول مراراً أن يعود كشخص، من دون أن يكترث لعودة التيار معه. تقول المصادر: “حوّل التيار إلى حزب يتبع شخص لا أكثر، فأتى بكل من يؤيدوه ووضعهم حوله وخلق لهم مناصب تنظيمية ضربت هيكلية التيار التنظيمية ككل”.

فترة 17 أكتوبر وما تلاها، كانت رحلة السقوط السريع للتيار كحزب سياسي فاعل وقوي مسيحياً ووطنياً. أتت بعدها مرحلة كوفيد – 19 والوضع الاقتصادي المتدهور الذي يتحمل التيار جز ءاً كبيراً منه كونه كان في وزارات تتحمل أكثر من نصف الدين العام، تحديداً وزارة الطاقة التي بقي فيها باسيل لسنوات وحين رحل عنها ورّثها لمستشاريه.

حين حصل الانفجار، يقول متابعون، صارت معركة الناس مع ميشال عون شخصياً، من دون أي مواربة أو القول إن “المشكلة في باسيل وليس بالرئيس، صارت المسؤولية مشتركة إن لم نقل يتحملها عون أكثر من باسيل”.

يحاول باسيل أن يقمع أو أن يعتم على ما يحصل داخل التيار. تقول المصادر: “قبل مدة قصيرة استقال أكثر من 100 عضو في التيار من الحزب، دفعة واحدة اعتراضاً على سياسة المنسق الذي هو مقرب من جبران، والاستقالات حصلت بعد أن اكتشف المستقيلون أن رئيس التيار يقف إلى جانب المنسق ضدهم، أي أنه مستمر في سياسة المحسوبيات ولا يبالي بالمصلحة العامة”،

وتضيف: “حصل اجتماع معارض كبير مؤخراً في جزين بالرغم من التهديدات التي وجهت لمن شارك فيه”.

تخرج الأمور عن السيطرة داخل التيار. جبران في مكان سيء، كذلك عمّه، الذي هو في مكان سيء وطنياً ليس فقط حزبياً كونه رئيس الجمهورية.

وتقول المصادر: “قريباً هناك أربعة نواب لا يزالون في التيار وفي التكتل سيكونون في مكان آخر، في موقع مواجه، لأنهم يُدركون أن أحداً منهم لا يمكنه أن يبقى في الحياة السياسية أو في البرلمان إذا بقي في التيار. هم يدركون جيداً أن الوقت قد حان للنزول من المركب الذي يغرق سريعاً”.