//Put this in the section

“لا تنازلات” من حزب الله.. وموقف الحريري محل “تقدير” وسط نذر مواجهة

وسط “أجواء التقدير” من حزب الله لرد سعد الحريري على قرار المحكمة الدولية في قضية اغتيال والده، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، يرى تيار المستقبل أن على الحزب، في المقابل، أن يقدم “تنازلات”، وهي خطوة غير مضمونة، الأمر الذي سيفاقم من الأزمة التي تشهدها البلاد.

ودانت المحكمة الدولية القيادي في حزب الله، سليم عياش، “بصفته شريكا في ارتكاب عمل إرهابي باستخدام مادة متفجّرة، وقتل رفيق الحريري عمداً، وقتل 21 شخصاً آخرين، ومحاولة قتل 226 شخصاً”، هم الجرحى الذين أصيبوا في الانفجار المروع الذي وقع في 14 فبراير 2005.




وبرأت المحكمة ثلاثة آخرين من أعضاء حزب الله المتّهمين بالمشاركة في اغتيال الحريري، في حين اعتبرت أن المتهم الخامس، وهو مصطفى بدر الدين، “كانت لديه النية وشارك في مؤامرة” الاغتيال، لكنها لم تحاكمه لأنه، وحسب حزب الله، قتل في سوريا عام 2016.

وصدر حكم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في لاهاي في وقت كانت بيروت تستفيق فيه من صدمة الانفجار الأكبر الذي شهدته في تاريخها، وألقى لبنانيون بمسؤوليته على الحزب الذي تقول تقارير إنه يسيطر على المرفأ، حيث انفجر المخزن الذي يحتوي على مادة نيترات الأمونيوم.

الحكم ساهم في إعادة خلط الأوراق على الساحة اللبنانية التي تشهد أصلاً توتراً سياسياً كبيراً بعد الانفجار الذي شهده مرفأ بيروت، وبنتيجته استقالت حكومة الرئيس حسان دياب، ليدخل لبنان بعد ذلك في مرحلة تأليف الحكومة التي عادة ما تعكس شكل الشراكة القادمة بين المكونات السياسية في البلاد.

كل ذلك يسير على إيقاع مبادرات دولية واهتمام بالغ من المجتمع الدولي في شكل وصيغة الحكم المقبل في لبنان، أبرزها تلك التي أعلن عنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى بيروت عقب الانفجار ولقائه مع رؤساء الكتل النيابية في البرلمان اللبناني وممثلين عن المجتمع المدني.

حكم المحكمة الدولية دخل لاعباً أساسياً في تشكيل المشهد المقبل، لاسيما وأنه اتهم بشكل مباشر عضواً في حزب الله بالوقوف وراء الاغتيال، الأمر الذي طرح علامات استفهام كبيرة حول شكل الشراكة المقبلة مع الحزب في أي صيغة حكم مقبلة، خاصة أن الأخير سبق أن أعلن بوضوح عدم امتثاله لقرارات المحكمة وانعدام ثقته فيها وبكل ما يصدر عنها.

رئيس الوزراء الأسبق ونجل الحريري، النائب سعد الحريري، كان له كلمة عقب صدور الحكم من لاهاي، دعا فيها حزب الله إلى “التضحية” وتسليم القاتل، قائلا: “التضحية يجب أن تكون اليوم من حزب الله الذي أصبح واضحا أنّ شبكة القتلة خرجوا من صفوفه، ويعتقدون أنّه لهذا السبب لن يتسلموا إلى العدالة وينفذ فيهم القصاص”.

وفي رد على كلام زعيم حزب الله حسن نصر الله الذي أشار إلى أن جماعته غير معنية بقرارات المحكمة، قال الحريري “كل اللبنانيين معنيون”، وأضاف: “لن أستكين حتى يتم تسليمهم للعدالة ويتنفذ فيهم القصاص، اللبنانيون لن يقبلوا بعد اليوم أن يكون وطنهم مرتعا للقتلة أو ملجأ للهروب من العقاب”، معتبراً أن “الحكم فيه رسالة لمن ارتكب هذه الجريمة الإرهابية وللمخططين الذين وراءهم بأن زمن استخدام الجريمة في السياسة من دون عقاب ومن دون ثمن انتهى”.

مصادر مطلعة على أجواء حزب الله أكدت في حديث لموقع “الحرة” أن الحزب أصدر تعميماً على جميع مسؤوليه السياسيين ونوابه ووزرائه حتى على المحللين السياسيين الدائرين في فلكه والمحسوبين عليه، بمنع التطرق نهائياً للحكم الصادر عن المحكمة أو التعليق عليه، واعتماد سياسة التجاهل التام في هذه المرحلة.
وأضافت المصادر أن الحزب ثابت على موقفه القديم من المحكمة تحت عنوان “عدم الاعتراف فيها وبكل ما ينتج عنها”.

وفي ما يخص الداخل اللبناني، فتنقل المصادر أجواء من التقدير لموقف سعد الحريري بشأن “ضبط الشارع ومنع ارتدادات الحكم على الوضع الأمني في البلاد، وعليه قد ينعكس ذلك تسهيلاً لسعد الحريري داخل أي حكومة مقبلة والاكتفاء بمشاركة “رمزية” كتنازل من قبل الحزب للحريري!” أي كما يصفها مراقبون “محاولة لمقايضة حكم كبير كهذا بتنازل محدود أي مشاركة “رمزية”.

لكن، حتى هذا النوع من المشاركة بالنسبة لتيار المستقبل مرفوض ومعه كل تسمية صادرة عن حزب الله، فالتيار غير مقتنع تماماً بطرح حكومة “الوحدة الوطنية” بحسب النائب السابق مصطفى علوش، الذي أكد على كلام الرئيس سعد الحريري بأن أيام التضحية قد ولّت وأن على حزب الله أن يقدم تنازلات.

الحزب غير مستعد لتقديم تنازلات

ولا يبدو أن حزب الله مستعد لتقديم تنازلات بالحجم المتوقع منه محلياً ودولياً، وعلى الأقل في ما يتعلق بالمحكمة الدولية والحكم الصادر عنها، بحسب المواقف الصادرة عنه والتي تضع تسليم أي من عناصره لأمر العدالة الدولية من المستحيلات.

بحسب علوش، فإن التعامل مع حزب الله والتسويات معه لم تعد إلّا بالسوء على الوضع العام في لبنان وموقفه الدولي، وأدى ذلك في المرحلة الماضية إلى مزيد من الإشكالات ومنع الاستقرار في البلاد، وعليه فإن تيار المستقبل حاسم بعدم المشاركة في أي حكومة يشارك فيها حزب الله قبل أن يتنازل ويسلم المطلوبين لديه للعدالة الدولية وإلا على مجلس الأمن أن يلعب دوره الذي أوصل إلى تأليف هذه المحكمة في الأساس.

وبالإضافة إلى البعد المحلي لتبعات الحكم الصادر، فإن بعداً دولياً يضع الدولة اللبنانية اليوم أمام امتحان سيادة على مرأى من المجتمع الدولي، ما قد يضع مصداقيتها على المحك، لاسيما لجهة الجدية في تنفيذ الحكم أو لجهة مشاركة الحزب في الحكومة ومؤسسات الدولة.

يقول علوش إن “هناك تبايناً دولياً تجاه مشاركة حزب الله، فالولايات المتحدة ودول الخليج ترفض التعامل نهائياً مع حكومة يشارك الحزب في تكوينها، فيما الموقف الأوروبي والفرنسي متمايز لهذه الناحية وعليه يجب انتظار الموقف الدولي مجتمعا إذا ما كان سيزيد الضغط على حزب الله ويعلنه صراحة أم لا، وبعدها يمكن استشراف المزاج الدولي”.

وإلى جانب الشق السياسي، طرح الحكم الصادر البعد القانوني للتعامل معه على طاولة البحث، لاسيما لجهة تعامل الدولة اللبنانية معه ولاسيما القضاء والأجهزة الأمنية والآثار المترتبة على عدم الالتزام به، لاسيما وإن الحكم سيتجه إلى مجلس الأمن الدولي في النهاية.

ويؤكد عضو منظمة “جوستيفيا” الحقوقية فارس أبي خليل، أن الحكم سيسلك طريقه إلى مجلس الأمن الدولي للاطلاع عليه، لكن لن يتم التصويت عليه من قبل الأعضاء الـ15 إلا إذا ما اعتبر بنتيجته تهديداً للسلم والأمن الدوليين حينها يمكن ان يتم تنفيذ الحكم تحت البند السابع، وهذا مستبعد وفق المعطيات الحالية دولياً.

المحكمة الدولية لا تملك جهازاً أمنياً لتنفيذ حكمها، يؤكد أبي خليل، كذلك فإن دور مجلس الأمن بالتنفيذ معدوم، وعليه سيكون طلب التنفيذ موجهاً للسلطات اللبنانية وهي بدورها غير ملزمة إلا بالتعاون قانونياً وبالتالي لا وجود لسلطة قانونية للحكم على القضاء اللبناني الذي يقتصر دوره على التعاون بعد أن تقوم المحكمة عبر رئيسها بتحديد السلطة التي من شأنها تنفيذ الحكم على الأرض.

يتوقع أبي خليل أن يتم التعامل مع الحكم كما جرى التعامل مع القرار الاتهامي سابقاً، أي عدم التنفيذ من جهة لاستحالة الأمر، ومن جهة أخرى لإظهار التعاون الكامل مع المحكمة وما يصدر عنها، ولن يكون هناك أي آثار قانونية على الحكومة اللبنانية بسبب ذلك.

هذا الواقع يفضي إلى طرح أكبر الأسئلة التي تتمحور حول إمكانية قيام أي شراكة مقبلة مع حزب الله من قبل باقي الأحزاب اللبنانية الخصمة، وهو ما عبر عنه القيادي في حزب الكتائب اللبنانية سليم الصايغ الذي أكد على أن الشراكة الوطنية مع حزب الله هي أمر واقع بمن وما يمثل الحزب في لبنان، لكن شراكة حكومية من الصعب جداً أن تقوم في سياق وحدة وطنية نفتقدها أصلا في لبنان الذي يشهد طلاقاً كلياً بين الشعب والسلطة الحاكمة بأحزابها.

وتابع الصايغ أن المرحلة الحالية هي مرحلة البحث عن حكومة قادرة على تمرير المرحلة الحالية والتأسيس لمرحلة قادمة تعيد تشكيل المشهد السياسي وتقوم بانتخابات نيابية مبكرة وتنزع فتيل الانفجار، وباستطاعتها تأمين نهوض اقتصادي وعلاقات دولية سليمة.

“المقاومة على المقاومة”

لا يرى الصايغ إمكانية قيام شراكة، فيما حزب الله ليس على قدم المساواة مع باقي الأحزاب التي يريد الشراكة معها. ويقول، في هذا السياق، “شئنا أم أبينا هناك اليوم لبنانان الأول بمنظومة سلاح تريد الممانعة في لبنان، وهناك شق آخر لا يريد كل ذلك”.

ويضرب الصايغ مثالاً بالواقع الحالي، ويرى أنه “فيما يتهم قيادي في حزب الله بارتكاب جرم شنيع ضرب صميم لبنان والعالم العربي والمجتمع الدولي، نعود إلى كلام نصرالله عن المتهمين وانهم محميون ولا يمكن لأحد أن يطالهم، وهذا ما ينتج ربطاً موضوعياً بين قيادة حزب الله والمرتكب سليم عياش والحماية المقدمة له.

ويختم بالتأكيد أنه إذا ما استمر حزب الله بهذا السلوك سيكون اللبنانيون أمام مرحلة “تحرير السلطة اللبنانية من المحاصرة التي تحدث عنها البطريرك الراعي، وسندخل في مرحلة المقاومة على المقاومة ونخرج من المسار السياسي والثوري وندخل في مواجهة مباشرة، وسندخل في منطق أن لا قيام لدولة إلا بمواجهة مباشرة مع حزب الله، وعلى الحزب أن يفهم المرحلة التي لا تشهد عملية تقليدية، اليوم الشعب اللبناني لم يعد لديه ما يخسره ومستعد لخوض المواجهة حتى النهاية مع كل مشاكله”.

الحرة