//Put this in the section
علي حمادة - النهار

محكمة الحريري: لم نخطئ عندما اتّهمناهم – علي حماده – النهار

بالرغم من امتعاض جمهور رفيق الحريري من عدم توصل “المحكمة الخاصة بلبنان” الناظرة في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى تثبيت أدلة دامغة كافية لاتهام جميع المتهمين في الجريمة، وعدم شمولها أسماء جديدة مرتبطة بجريمة الاغتيال الإرهابية، فإنه من الخطأ القول إن المحكمة برّأت “حزب الله” أو النظام في سوريا من الجريمة. فالمتهم الذي صدرت بحقه التهمة وفق أدلة دامغة ومقنعة للمحكمة، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحزب، وجزء من ماكينته الأمنية، لا بل إنه كان على ارتباط وثيق بمصطفى بدرالدين الرقم الثاني في الهرمية العسكرية والأمنية لـ”حزب الله”. أكثر من ذلك، من يراجع نص الحكم بكامل فقراته يكتشف أن المحكمة وضعت الجريمة في سياقات الجريمة السياسية الإرهابية وربطتها بدوافع لكل من النظام في سوريا و”حزب الله”. ومن هنا يخطئ جمهور رفيق الحريري، ومعه البيئة الاستقلالية السيادية الأوسع، بالظن أن الحكم منح الحزب أو النظام صك براءة في الجريمة. فسليم عياش يبقى مسؤولاً أمنياً في الحزب، ومطلوباً في جريمة كبرى، يدرك العالم أن جهازاً كبيراً قام بتنظيمها، وسخّر لها إمكانات كبيرة، في الوقت الذي لم يتنصل “حزب الله” من سليم عياش في أي وقت، بل اعتبره أحد “قدّيسي” الحزب! ويخطئ جمهور الحزب في إظهاره علامات الفرح الكبير كما حصل قبل يومين عند صدور الحكم، لأن المحكمة في مكان ما اتهمت “حزب الله” بتنفيذ جريمة إرهابية، يدرك القاصي والداني أنه نفّذها كوكيل عن نظام بشار الأسد و”الحرس الثوري الإيراني. وعندما يدعو الرأي العام المعني بالجريمة، أكانت عائلة الحريري أو غيرها “حزب الله” لتسليم سليم عياش، فإنهم يحمّلون الحزب مسؤولية اغتيال الحريري بما لا يرقى إليها شكّ.

صدر الحكم الذي يحترمه كل من ناضل من أجل قيام المحكمة، ومرة أخرى يثبت “حزب الله” كم أنه عامل من عوامل الفتنة الدائمة في البلد، أكان بالاغتيالات، أو بالترهيب السياسي الممارس منذ سنوات طويلة، وصولاً الى إقامة ما يشبه الاحتلال الداخلي المتخفي خلف واجهات في الحكومة، والرئاسات، وبعض الأحزاب الموالية أو المعارضة، لا فرق.




إن الحكم في جريمة اغتيال رفيق الحريري يجب أن يُقرأ بهدوء وتمعّن لتلمّس قوته في وجه القتلة، وذلك بالرغم من العديد من الثغرات التي يمكن استخراجها. غير أن الأهم بالنسبة إلينا، هو أن تتحمل الحكومة اللبنانية ورئاسة الجمهورية مسوؤلياتها في ما يتعلق بإلقاء القبض على المجرم سليم عياش، وسوقه أمام العدالة، حتى في مواجهة “حزب الله” الذي كان وسيظل في عقول غالبية اللبنانيين وقلوبهم عنواناً للإرهاب والترهيب، وسلاح الغدر في الداخل والخارج لا فرق، فضلاً عن كونه عنواناً للانهيار الكبير الذي يشهده لبنان المختطَف عنوة، وللعزلة العربية والدولية، ولسقوط الدولة بمؤسساتها، وتغيير هوية البلد على جميع الصعد بشكل منهجي خطير للغاية. سيبقى “حزب الله”، وبصرف النظر عن اغتياله رفيق الحريري، عنوان تهديد لمستقبل كل اللبنانيين، وأولهم بيئته الحاضنة التي ما قدّم لها على مدى أربعة عقود سوى الحروب تلو الحروب والفتن والعزلة. وما صرخة بطريرك الموارنة الداعي الى إعلان حياد لبنان، سوى الوجه الآخر للقرار الاستقلالي رقم ١٥٥٩، الذي من أجله اغتيل رفيق الحريري قبل خمسة عشر عاماً. لقد حان الوقت لرفع الصوت عالياً، أولاً من خلال تجاوز رئيس الجمهورية وتياره المستتبعَين بالكامل لـ”حزب الله” وسياساته، وارتباطاته، وأجندته، وثانياً من خلال الذهاب الى المجتمع الدولي والعالم العربي للقول إن في لبنان صوتاً استقلالياً، سيادياً، متمايزاً، يرفض الاحتلال القائم هنا، وثالثاً لجمع شمل الخط الاستقلالي والسيادي بعد طول تشتت.

بالأمس صدر حكم بقضية اغتيال رفيق الحريري، واليوم ينتظر الشعب تحقيقاً ذا صدقية في جريمة تفجير مرفأ بيروت، يشارك فيه المجتمع الدولي، للاقتصاص من الذين قتلوا أهل بيروت.