//Put this in the section

اللبنانيون المنهكون يتعاطون مع قرار محكمة لاهاي بلامبالاة

تلقى اللبنانيون بفتور الحكم الذي أصدرته المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في قضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، بعدما أنهكتهم سنوات من الأزمات السياسية ثم الانهيار الاقتصادي المتسارع منذ أشهر وأخيرا انفجار المرفأ المروّع، وما أتبعه من تفش مخيف لفايروس كورونا، أدى إلى عودة الإغلاق.

وأدانت المحكمة الدولية الثلاثاء واحدا من المتهمين الأربعة الأعضاء في حزب الله في اغتيال الحريري عام 2005 الذي طبع بتداعياته الكبيرة تاريخ لبنان الحديث. واعتبرت الاغتيال “سياسيا” نفذه “الذين شكل الحريري تهديدا لهم”.




ومنذ تعيين موعد النطق بالحكم، الذي تمّ تأجيله إثر انفجار المرفأ، سرت مخاوف من توترات أمنية وطائفية خصوصا في مناطق تعدّ معقلا لتيار المستقبل الذي أسّسه الحريري، إلا أن الحكم لم يرق إلى مستوى توقعات مناصريه الذين تحدثوا عن حكم هزيل بعد 13 سنة من تأسيس المحكمة وست سنوات على المحاكمة.

وفي منطقة الطريق الجديدة ببيروت، حيث رفعت منذ سنوات صور لرفيق الحريري مذيّلة بتوقيع “الحقيقة.. لأجل لبنان”، تقول الشابة ريان “بعد 15 سنة، اختاروا شخصا واحدا مسؤولا عن القضية كلّها؟”، واصفة القرار بـ“المهزلة”.

وقتل رفيق الحريري في 14 فبراير 2005 مع 21 شخصا وأصيب 226 آخرون بجروح في انفجار استهدف موكبه في وسط بيروت. ووُجه في ذلك الوقت الاتهام إلى حزب الله والنظام السوري الذي كان يتحكم بكل مفاصل الحياة السياسية في لبنان.

وقالت المحكمة في قرارها إن لسوريا وحزب الله “دوافع ربما لاغتيال” الحريري، “لكن ليس هناك دليل على أن قيادة حزب الله كان لها دور في الاغتيال”، و”ليس هناك دليل مباشر على ضلوع سوريا في الأمر”.

وعلّق الشاب سعد الفرخ بالقول “كلما أعطوا دليلا كانوا يقولون إنّه ليس قاطعا”، معتبرا أنّهم منذ سنوات “يأخذون المال سدى” لتمويل المحكمة.

وجاء صدور الحكم الغيابي فيما يغرق لبنان في أسوأ أزماته الاقتصادية. وأعاد إثارة الجدل حول الأموال التي دفعها لبنان في إطار مساهمته في تمويل المحكمة التي انقسم حولها اللبنانيون أيضا. فقد اعتبر حزب الله الذي ينتمي المتهمون إليه، وأنصاره، أن المحكمة “مسيّسة”، بينما اعتبر خصوم الحزب أن المحكمة هي الوسيلة لوقف سياسة “الإفلات من العقاب” في لبنان.

وكلّفت المحكمة منذ تأسيسها 600 مليون دولار على الأقل.

ويقول نائب مدير مركز السياسة العالمية فيصل عيتاني “بينما توقّعت قلة أن يصار إلى إلقاء القبض على أي شخص، يعتقد البعض أن المحاكمة بحدّ ذاتها تشكل سابقة مهمة في القانون الدولي”.

ويضيف “لست واثقا مما إذا كانت هذه السابقة تستحقّ كل هذا الوقت والمال وعدم الاستقرار السياسي”.

ويعتبر أستاذ العلوم السياسية في باريس وبيروت كريم بيطار أن الحكم جاء مخيّبا للآمال بعد سنوات من المطالبة على نطاق واسع بمعرفة الحقيقة في اغتيال الحريري. ويقول “ثمّة انطباع: تمخّض الجبل فولد فأرا”.

ووقع اغتيال الحريري في فترة بالغة الحساسية وأثار صدمة في البلاد ونقمة شعبية واحتجاجات ساهمت في انسحاب الجيش السوري من لبنان بعد 30 سنة من التواجد وسنوات طويلة من الوصاية السياسية.

وفي سردها للوقائع وتفاصيل الحكم، قالت المحكمة الدولية “لا شك أن الذين تآمروا لاغتيال الحريري قرروا قتله في حال واصل مساره بالابتعاد عن سوريا”، مشيرة إلى أن قرار الاغتيال “اتخذ على الأرجح في مطلع فبراير” بعد اجتماع للمعارضة المناهضة لسوريا كان يدعمه الحريري.

وعنونت صحيفة النهار اللبنانية على صفحتها الأولى “الحكم: إدانة الرأس المنفّذ وكشف المؤامرة السياسية”، في تركيز على الخلفيات السياسية التي تحدثت عنها المحكمة.

وفي المقابل، نشرت صحيفة الأخبار المقرّبة من حزب الله صورة لقاعة المحكمة على كامل صفحتها الأولى مع ختم “منتهية الصلاحية” باللون الأحمر.

وفي تعليق على فيسبوك، اعتبر المدير التنفيذي لمبادرة الإصلاح العربي نديم حوري “ستفسّر الأطراف المختلفة في لبنان حكم المحكمة الخاصة وفق أهوائها”.

وبالفعل، تضاربت مقاربة اللبنانيين للحكم، بين من اعتبر أنه أدان عضوا في حزب الله هو سليم عياش، وبالتالي أدان الحزب النافذ في البلاد، وبين من ركّز على أحكام البراءة بحق المتهمين الثلاثة الآخرين، وعدم وجود أدلة ضد قيادتي حزب الله وسوريا.

وكتب حوري أيضا “النتيجة في المحصلة غير مرضية بشدّة، لأنّ الأسئلة الأساسية تُركت من دون أجوبة وستواصل إثارة الانقسام بين اللبنانيين”. ولم يكن لصدور الحكم أي انعكاس في الشارع الغارق في همومه الاقتصادية والمعيشية.

ويقول بيطار إن ذلك قد يكون الأمر الإيجابي الوحيد المنبثق عن المحكمة. ويضيف “لقد كان حكما متناقضا للغاية.. لكنّه يصبّ ربما في صالح السلم الأهلي في لبنان الذي لا يحتاج إلى المزيد من التوتر الاجتماعي في الوقت الراهن”.

ولم يتعاف لبنان بعدُ من تداعيات الانفجار الضخم الذي ضرب مرفأ بيروت في 4 أغسطس، متسببا بمقتل 181 شخصا وإصابة أكثر من 6500 آخرين، عدا عن تشريد نحو 300 ألف من منازلهم المتضررة أو المدمرة.

وفاقم الانفجار المعاناة المستمرة منذ الخريف والتي دفعت مئات الآلاف للنزول إلى الشارع ضد الطبقة السياسية المتهمة بالفساد، مطالبين إياها بالرحيل. وعلى وقع الانهيار، خسر عشرات الآلاف موارد رزقهم، بينما تمنع المصارف المودعين من سحب الدولار من حساباتهم، في وقت خسرت العملة المحلية 80 بالمئة من قيمتها.

ويعتبر بيطار أن “كوارث كثيرة وقعت منذ اغتيال الحريري” قبل 15 عاما، مضيفا “لا يعني ذلك أنه بحدث غير هام، لكن لم يكن لهذا الحكم الصدى الذي ينبغي أن يكون”.