//Put this in the section

لوكربي «حزب الله»! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

لا يوجد شبه كبير بين زعيم تنظيم «حزب الله» الإرهابي حسن نصر الله والزعيم الليبي السابق معمر القذافي إلا في بعض الأمور، مثل غرامهما بالخطابات الرنانة والشعارات الكبرى، بالإضافة لتبعية كل منهما لمنظومة أخرى. فحسن نصر الله كان يتبع ولاية الفقيه في إيران، بينما القذافي، حسب ما أعتقد، كان يتبع ولاية الفقيه في زحل!

تذكرت المقارنة بين الشخصيتين بعد صدور حكم المحكمة الدولية في لاهاي، الذي أدان عضو «حزب الله» الإرهابي سليم عياش بتنفيذ عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وهو الآن في حماية وتحت حراسة «حزب الله»، لأنه كان من الطبيعي استرجاع المشهد الليبي البائس الذي تسببت فيه حادثة لوكربي الشهيرة التي كانت بسبب تفجير طائرة الخطوط الجوية الأميركية «بان آم» فوق منطقة لوكربي الاسكوتلندية، وموت جميع من عليها، وتم توجيه الاتهام إلى موظفين في الاستخبارات الليبية هما عبد الباسط المقراحي والأمين خليفة فحيمة، ورفض القذافي الإذعان للقرار الدولي بتسليم المتهمين وكابر وأنكر ودخلت ليبيا في نفق أسود وطويل من المقاطعة الاقتصادية والعقوبات المالية المذلة استمرت لسنوات طويلة جداً أنهكت سمعتها وأضعفت من قدراتها، وبعد وساطات دولية وافق القذافي مرغماً على تسليم المتهمين ودفع تعويضات مالية هائلة لأسر الضحايا (أدانت المحكمة بعد ذلك المقراحي وبرأت فحيمة وأفرج عن المقراحي بعد عدة سنوات لأسباب إنسانية مرضية وصل إلى ليبيا وتوفي بعدها بفترة وجيزة جداً).




المشهد نفسه يتكرر اليوم مع تنظيم «حزب الله»، وموقفه من تسليم المتهم باغتيال الحريري. اليوم «حزب الله» المعرف عالمياً بأنه حزب إرهابي بات وبتعريف قضائي دولي أنه يحمي أحد أعضائه المدانين بعملية اغتيال صدر فيها حكم دولي. تعوّد تنظيم «حزب الله» أن «يعيش» داخل منظومته بعيداً عن سلطة الأمن والقضاء في الدولة التي يعيش فيها، ومثال صارخ على ذلك ما يدور داخل منطقة نفوذه بالضاحية الجنوبية ببيروت، وقد فنّد ذلك بشكل مدهش فادي توفيق في كتابه اللافت «بلاد الله الضيقة: الضاحية أهلاً وحزباً» وأظهر بوضوح أن التنظيم الإرهابي أقام «نظامه الخاص» فيها. ويجيء هذا الكتاب بمصداقية عالية ومهمة كون مؤلفه هو من أبناء الضاحية نفسها.

لم يكن هذا الكتاب الأول ولا الوحيد الذي وضّح وبيّن خطورة مشروع «حزب الله» الإرهابي على مشروع الدولة الوطنية في لبنان، فلقد كان من أوائل من حذروا عن ذلك الأمر الكاتب والباحث اللبناني الكبير وضاح شرارة في كتابه المهم «دولة (حزب الله): لبنان مجتمعاً إسلامياً»، وانضم إليه الكاتب فايز قزي في كتاب آخر لا يقل أهمية وهو «(حزب الله): أقنعة لبنانية لولاية إيرانية»، والكتاب كان بحسب الوصف دراسة وثائقية.

المأزق الذي يواجه لبنان مأزق أممي بامتياز، الكتلة السياسية والعسكرية المسيطرة على البلد تحمي إرهابياً مطلوباً من محكمة أممية، وترفض الاعتراف بها وبالتالي تسليمه. أي حديث عن إصلاحات سياسية واقتصادية قبل إتمام خطوة الانصياع للمحكمة الدولية هو عبث وهراء. كنت أتابع تعليق أحد مناصري التنظيم الإرهابي وهو «يراهن» على الموقف الفرنسي الذي يدعو لعدم التصعيد مع «حزب الله»، وتذكرت ما كتبه عمدة مدينة طوكيو الأسبق شينتارو أشيهارا في كتابه المعروف والمشهور جداً «اليابان التي تستطيع أن تقول لا» في وصف السياسة الفرنسية، إذ قال في ذلك: «فرنسا بلد غريب وفريد؛ رئيس جمهوريتها يجوب العالم يدعو للسلام ورئيس وزرائها يجوب العالم ليسوّق إنتاج مصانعها من السلاح».

لبنان يواجه «لوكربي» عنيفة مصحوبة بأزمة سياسية داخلية في منتهى الخطورة وأزمة صحية تتعلق بتفشي جائحة «كوفيد – 19» ووصولها لمعدلات مرعبة، بالإضافة لتداعيات تفجير مرفأ بيروت التي لا تزال في مراحلها الأولية.

لبنان ليس ليبيا ولن يكون لديه القدرة المالية على التفاوض، وخصوصاً أن عملية الاغتيال هي مسألة سياسية داخلية تماماً. حكم المحكمة الذي رقص له أنصار تنظيم «حزب الله» فرحاً وأطلقوا الرصاص في الهواء، ووزعوا الحلوى على المارة، وعلقوا اليافطات احتفاء «بابنهم وبطلهم المقاوم» هو إدانة قانونية للحزب لن يستطيع الإفلات من التعامل معها إلا لو تم «انتحار» سليم عياش كما هو متبع في دائرة «حزب الله» وأعوانه!