//Put this in the section

مَن يداوي وجع مفقودي انفجار المرفأ؟ لجنة حقوق الإنسان حاضرة… ولكن!

منال شعيا – النهار

إنّهم المفقودون. إنّهم الوجع الأكبر. بعد 4 آب 2020. تغيرّت معالم #بيروت، وتبدلت معها أوجه الأبنية وحلّ الخراب والدمار أينما كان. الا أنّ الوجع المادي لا يقاس امام الفجوة الكبيرة التي حفرت في القلوب والنفوس. تلك الفجوة التي امتدت على كل مساحة لبنان، ولا يمكن حصرها فقط في قلب العاصمة.




في الأساس، لطالما وجع العاصمة يكون سرعان الانتشار. من البقاع، الى الجنوب، الى جبل لبنان والشمال… من بعلبك، الى صور الى قرطبا… وغيرها الكثير الكثير من المناطق… الوجع واحد… والحزن أيضا.

وإذا كان يسهل لملمة الدمار، وإذا كان الحزن يصعب نسيانه بسهولة وبسرعة، فإن الوجع على مفقود يستحيل محوه من الذاكرة والقلب… انهم المفقودون وانهم الوجع الأكبر…

ولسخرية الأقدار في لبنان، أن نجدّد دوريا هذا الوجع على المفقودين… اذ بالكاد يحاول المعنيون لملمة وجعهم على مفقودي الحرب الاهلية اللبنانية التي اندلعت في 1975، تتجدد اليوم هذه المأساة مع الانفجار الكبير الذي شوّه قلب بيروت واوجع قلوب اللبنانيين.

حتى الساعة، لا يمكن إحصاء دقيق لعدد مفقودي ذاك الانفجار الأسود. ما بين 30 و40 مفقوداً يتردد انه رقم المفقودين من الانفجار، انما بالطبع، ليس الرقم نهائيا، وقد يكون مرّجحا للارتفاع، لا للانخفاض.

قبل اشهر معدودة، صدر مرسوم تشكيل “الهيئة الوطنية للمفقودين والمخفيين قسرا”. تلك الهيئة التي لطالما انتظارها، ومات قبل انشائها عشرات الأمهات والزوجات والاباء، وهم لا يزالون ينتظرون عودة الأحباء.

كتاب وداد حلواني

مات غازي عاد. ذاك الرجل الذي لطالما حمل لواء قضية المفقودين والمعتقلين عاليا، حتى الرمق الأخير. ماتت اوديت سالم. تلك الام التي انتظرت طويلا عودة ولديها، قبل ان تدهسها سيارة وهي في طريقها الى خيمة أهالي المعتقلين في ساحة رياض الصلح، بعدما تحوّلت تلك الخيمة بيتها الثاني الدائم…. وغيرهم الكثير الكثير.

ولا تزال وداد حلواني، رئيسة “لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين”، تصرخ من اجل هذه القضية. من إقرار قانون المفقودين والمخفيين قسرا الى مرسوم تشكيل الهيئة الوطنية للمخفيين، مرورا بتوقيع العرائض وتنظيم المؤتمرات والتحركات واحياء الذكرى لالاف وآلاف المرات.

كله مسار تراكمي وتصاعدي سلكته حلواني، ومعها الأمهات والشقيقات والزوجات والابناء والناشطين، من اجل الا تموت تلك القضية. اكثر من 45 عاما، بقيت القضية حيّة ومحفورة في القلوب… الا ان وجع حلواني وكل الزوجات والامهات لم يندمل… لم تكشف الحقيقة، ولا يزال كثر ينتظرون عودة الأحباء…

اليوم، انضم الى هذا الوجع وجع أخر، لا يقل حرقة او حزنا، فأي مسار سيسلك من اجل مفقودي انفجار مرفأ بيروت؟

بعد أيام على هذا الانفجار اللعين، وجهت حلواني كتابا جاء فيه: “من أهالي مفقودي الحرب في لبنان، إلى أهالي مفقودي انفجار- مجزرة مرفأ بيروت: أرواحنا الحزينة وقلوبنا الدامية معكم. عذراً عن متابعتنا عن بعد، نحنا ما قادرين نكون حدّكن، لأنّو منخاف نزيد وجعكُن، لأنّو ما بدنا تصيروا متلنا، لأنّو ما بدنا تشبهونا. صرختنا عالية معكن :ممنوع يتوقّف التفتيش، تكّة وحدة، عن أحبابكن”.

اليوم، تمازجت اوجاع أهالي 17 الف مفقود من زمن الحرب والتهجير مع مفقودي انفجار المرفأ، فهل من منهجية عملية او جهة محددة سترفع لواء هؤلاء المفقودين؟

ربما يصعب حتى الساعة، ان يتم تحديد هذه الجهة، فالوقت يمرّ بطيئا وثقيلا في زمن الاوجاع والقهر والدموع. وحتى اللحظة، لا يزال المنكوبون يلملمون الجراح والبيوت… والنفوس. وبالطبع، ستكشف الأيام او الأسابيع المقبلة جهات كثيرة او جمعيات توحد وجع المفقودين وتحمل شعار هذه القضية، في محاولة أولية لشبه إحصاء يظهر اعداد المفقودين واسمائهم… ولتتحدد لاحقا سبل العمل وآلية التحرك المستقبلي.

وبالطبع، لن تكون المهمة سهلة وهي ستكون بثقل وجع مفقودي الحرب الذي اخذ 45 عاما ولا يزال… من دون ان يندمل بعد…فأي مسار زمني ستأخذه مأساة مفقودي انفجار المرفأ؟

والسؤال… هل من دور يمكن ان تباشره لجنة حقوق الانسان النيابية تجاه هذه المأساة، قبل ان تظهر جمعيات أهلية وتعلن عن تبني القضية؟ وفي الأساس، أليس من الواجب ان تبادر اللجنة الى التحرك وتقف امام الأهالي، لتوحيد الجهود والمساعدة في امكان التوصل الى افق وحلول؟!

يجيب رئيس اللجنة النائب ميشال موسى “النهار”: “بالطبع سيكون للجنة دور، انما لتتوضح الأمور اكثر. الان مجلس النواب لا يجتمع الى حين انتهاء اعمال التصليح في المبنى، وأيضا بغية توضيح الصورة، لان اعمال البحث لا تزال تكشف رفات وموتى”.

ويكشف أنّ “البعد التشريعي موجود، ولا تنقصنا قوانين في مجال تحديد الضحايا والتعويضات وما الى ذلك، انما المراسيم التطبيقية والاليات تحتاج بعد الى وقت كي تتبلور الصورة وتتوضح طريقة العمل، واللجنة ستكون جاهزة”.

انه قدر اللبناني… وانه الوجع الذي يتكرر … وجع التهجير، وجع المفقودين… وجع الموت والدمار… وثمة سؤال مشروع يتردد في العقول والقلوب منذ اللحظة الأولى للانفجار، من دون ان ننجح في الإجابة عليه: لِمَ علينا ان نسمع، من دون قصدنا، أصوات الانفجارات لاولادنا؟ ولِمَ علينا ان نريهم، من دون ان نريد، صورة الحرب والموت… لِمَ؟!