//Put this in the section

مكسب تاريخي… بلا أوهام!

نبيل بومنصف – النهار

لا نعتقد ان 15 عاما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري لم تكن كافية بكل ما حفلت به من تطورات واحداث وازمات وكوارث بلغت ذروتها الدراماتيكية في انفجار مرفأ بيروت الذي فاق آلاف المرات بقدرته التفجيرية الانفجار الذي أودى بالحريري ورفاقه الشهداء الـ 21، لكي تبرد الرؤوس الحامية المتغطرسة، والتي لا تزال تظن بقدرة أي فريق لبناني على توظيف الفتنة او الترهيب او الاجرام او التبعية او العمالة في سبيل الهيمنة الداخلية والسلطوية. صدر بالأمس الحكم على قتلة الحريري بعد 15 عاما من الجريمة من دون مفاجآت. صحيح. لكن الأصح ان الحكم لا يشكل فقط إعادة اعتبار نادرة وخارقة للعدالة الحقيقية التي قد لا تتكرر بسهولة اطلاقا في المستقبل القريب او البعيد، بل شكل الإدانة التاريخية الأقسى للدولة اللبنانية الفاشلة التي لم تتوقف ادانتها أصلا في الانهيارات التسلسلية التي تعاقبت منذ خريف العام الماضي على نحو مذهل ومتسارع، بل لم تشأ الا تتويج تقدمها الى رأس لائحة الدول الفاشلة في العالم بانفجار المرفأ قبل أسبوعين. ندرك تماما وسلفا ان أي رهان على ان يترك حكم المحكمة الخاصة بلبنان في اغتيال رفيق الحريري أثراً في تبديل سلوكيات “حزب الله” وسياساته واستراتيجياته هو الوهم بذاته، ولا داعي للثرثرة السياسية والإعلامية الفارغة في هذا الاتجاه ما دام الحزب لم يوفر وسيلة في الحرب على المحكمة وفريق 14 آذار الذي كان وراء إنشائها إلا واستعملها. لذا وتوفيراً للوقت والجهد وتجنب التجارب العبثية والعقيمة المعروفة النتائج سلفا، يتعين توظيف الوهج الضخم الذي سيحدثه الحكم في قضية اغتيال الحريري في الجدل السياسي الداخلي – الخارجي المتفاعل بقوة كبيرة منذ انفجار 4 آب لجهة عدم التسليم اطلاقا لتحقيق لا يرقى الى مستوى تحقيق دولي مهما كانت الظروف التي ستتلاعب عبرها سلطة 8 آذار، وضمناً العهد طبعا، لان ذلك سيوفر لهذه السلطة تفريغ حكم الحريري من مفاعيله التي يجب توظيفها على رؤوس الأشهاد. هذه الدولة الفاشلة عجزت وتواطأت وتآمرت وتجاهلت وطمست عشرات جرائم الاغتيالات ولو أحيل معظمها على المجالس العدلية. لا نرى ضرورة اطلاقا لاطلاق الرصاص الحي على واقع القضاء وما آل اليه في ظل التجربة الأخيرة من التجاذبات التي طبعت تعيين محقق عدلي في انفجار المرفأ. ولن نلجأ اطلاقا الى ما يصنفه أعداء قيام الدولة الحقيقية، مزايدات وتصفيات حسابات في إعادة إدراج لائحة شهداء ثورة الأرز وقبلهم ضحايا النظام السوري من رجالات دولة وسياسة وإعلام وصحافة، كما لن نذكّر بلوائح ألوف المخفيين والمعتقلين في سجون النظام السوري. نتساءل عن أي دولة تتحدثون بعد؟ أي سلطة هذه واي رهان يبقى على تسويات وثرثرة في المواثيق والتغيير والإصلاحات وما اليها من أناشيد فارغة من كل محتوى جدي ما دامت النظرة الى العدالة التي هي ملح الدولة والعمود الفقري لاي دولة حقيقية تتقدم اساسات الانقسام اللبناني المستعصي على الحل؟ ان حكم الحريري هو علامة زمن تصويب تاريخي ما كان ليقوم اطلاقا لو تجرؤ فئة سيادية قاتلت بعناد وعرفت كيف تنتزع هذا المكسب النادر التاريخي للعدالة، وعبثاً بغير ذلك تحصيل مكاسب إضافية، ونقطة على السطر.