//Put this in the section
سمير عطا الله

”حقوق المسيحيين” – سمير عطاالله – الشرق الأوسط

لا اذكر مرحلة من مراحل العمر، تقبَّلت فيها فكرة الزعامة والزعيم. فهي نقيض للحرية، اقدس ما نُعطى، بعد العقل. وتوحي بالتسليم الكلي لرجل أو فكرة أو مجموعة. أو قبيلة. وبسبب كوني مارونياً في الولادة، كنت اخاف دائماً على الطائفة التي انتمت إليها امي، واتمنى لها دوماً السعادة والتقدم وسائر حقوق البشر. ولئن عارضتها وانتقدتها وخالفت دوما نزعاتها ونزقها الجماهيري، فمن باب الخوف عليها، وعلى هشاشة وحساسية وضعها في لبنان وفي بلاد العرب.

زاد في قناعاتي هذه، أنني بدأت في هذه المهنة من باب القسم الدولي، وصارت علاقتي يومية مع تجارب العالم واحواله ودروسه. وصرنا نقرأ في التاريخ وفي الحاضر، كيف ارتبطت فكرة الزعامة بالطغيان والقسوة وجنون الذات، وأدّت جميعها الى الانهيار الوطني والنهايات الوحشية، مثل هتلر وموسوليني، أو لاحقاً مثل صدام حسين ومعمر القذافي وبول بوت، الذي عثر عليه ميتا على سرير حديد، بعدما اباد الملايين وترك خلفه اكبر عدد من فاقدي الاطراف في العالم. كل ذلك لأنه كان يريد محو كمبوديا من اجل اعادة بنائها من جديد.




خفتُ على الموارنة من فكرة الزعيم، لأن الزعامة تقوم على الهياج والغضب واحتقار الآخر. ولبنان بلد مساواة، يزدهر في الهدوء، ويتطور في الحكمة والعقل. ولذلك، لم اوالِ، عاطفياً، إلا رجال الدولة، وهؤلاء اولى صفاتهم معرفة الآخر وادراك آفاق لبنان وحدوده، وآفاق الموارنة وحدودهم في لبنان. كذلك، كان موقفي ومشاعري من رجال الطوائف الأخرى.

خفت دائماً على الموارنة من الموارنة، وهو في اللاوعي، خوف على الذات. وكنت اخشى دوماً ان يحطموا الجوهرة التي أُعطيت لهم، يوم رُبط الجبل بالساحل، وصار للبنان ميناء وقصر جمهوري وحدود دولية وإطار مستقل، يهاجر منه اللبنانيون حاملين اسم لبنان، لا صفة “التوركو” الذليل في موانىء العالم.

الجائزة لم تكن في الحصول على لبنان بل في الحفاظ عليه. والحفاظ عليه كان عملاً يومياً ودأباً. فالعلاقة مع الشريك الآخر، تقتضي بالدرجة الاولى، معرفته ومعرفة ثقافته وعبور الخط النفسي نحو عالمه. وهذه المهمة لا يقوم بها زعيم تقوده جماهيره ومفاهيم الدهماء والفكر الغوغائي، بل توكل إلى رجال دولة ومتنورين وذوي اخلاق عالية. ما زلنا نتحدث عن فؤاد شهاب كتجربة يتيمة، لأنه اسس اهم جيش وطني في الشرق، وحاول أن يؤسس دولة مدنية متوازنة. ولذلك هاج ضده غلاة الموارنة، وخربوا رؤيته وانتهوا الى تهورات ساعدت في قضم الدولة واحتقار السيادة، كما في اتفاق القاهرة، وما تلاه من اتفاقات ومعاهدات وتسويات، تقوم كلها على بقائية الزعيم لا بقاء البلاد. كان لبنان مفيداً فقط كعَلَم حُوِّل الى غطاء يتلحف به الزعيم في سعيه “الشبقي” الى السلطة، كما يقول ناسك المدينة، سليم الحص.

السلوك الزعمائي المتخلف افقد المسيحيين مكانتهم في الأمة والعالم كرجال دولة واهل استقلال وبناة مؤسسات. صار الفارق رهيباً بين سمعتهم كفرقة من فرق التميّز، وبين واقعهم كزعامات متقاتلة متحاربة. صار مذهلاً وغريباً أن نرى النخب المثقفة والخلاقة والرفيعة المستويات جميعاً، تتصرف مثل الوثنيين، وتخلق لنفسها اصناماً، تعبدهم ثم تحطمهم عندما تتأكد، متأخرة، أن الصنم ليس إلهاً تموت الناس من اجله وتقتل من اجله. وعندما تحاول ان تهزه بنداءاتها وتوسلاتها، تكتشف أنها عبدت إلهاً مثلهاً، من صلصال.

خفتُ على الموارنة من الأصنام. من التناقض الهائل في تكوين هذه الجماعة: القاعدة فيها نادرة النوع، نادرة الانتاج والجد، كثيرة العبقريات، يسوقها غالباً زعيم بعبارات سقيمة واوهام مدمرة. سعيد عقل كان نموذج العبقري الخارق الذي امضى عمره في ظل اصنام ترشح ماء مقدساً. أكرر دوماً، وفي أسى، ودون جواب طبعاً، ما سر هذه الجماعة الأثينية الرائعة التي تصر على السير خلف حماقات اسبارطة. ألم ترَ كيف انقضت هذه في هباء الزمان والوجود؟ أين ولماذا تغيب فجأة مكنونات الحكمة، ويتصدر الاعشى، ويغلب الأصم، ويتقدم عديم الموهبة؟

غالباً ما كانت مأساة الموارنة الوجودية في جماهيريتهم وشعبويتهم القصيرة النظر. جماعة تعطي كبار الأدباء والشعراء والفقهاء (اللغة) والفلاسفة والمؤرخين وتضن بالمفكرين وقارئي الوقائع والمتغيرات وبسائط الأمور. ولذلك تذهب في خياراتها دوماً إلى الإثارة بدل العقل، وتصغي الى دعاة الانتحار بدل اهل التفكر. ومثل الاطفال تفيق على مأساة ولا تعود دموع الأرض تكفي.

مجرد قدر من اقدار الكون (وليس مؤامرة من المؤامرات الكونية) أن ترتسم هذه اللوحة من الرمال والدماء على جدار “المنطقة المسيحية”، على حافة الجبل الذي رُبط قبل مئة عام بواحد من اجمل موانىء المتوسط. هنا، في هذه الأحياء القديمة، اختلى المسيحيون “بوسطهم” بعد اغلاق سوليدير، والوسط المشترك، يسهرون ويسمرون ويقلقون راحة السكان الأصليين من عجزة المدينة.

تُرى ما هي “حقوق المسيحيين”؟ حاول ان تقرأها على هذا الجدار الذي لم نلاحظه قبل اليوم. بؤس مستور وراء جدران عتيقة، وحزن موارى خلف صوت الموسيقى. وكأنما الدراما المسيحية ترفض الا ان تكتب نفسها في كل فصل، فقدمت “الكتائب” بيتها وامينها على مذبح الوحش النووي، تذكيراً “للمسيحيين المستجدين” بالفارق بين اصحاب لبنان واصحاب الشأن. من “النهار” الى مصلّبية برج حمود، شاهدت بيروت تكتوي وتذوي مساء 4 آب. الى يساري كانت المباني تنهار وامامي كانت الناس هالعة تهرب. اتطلع في الوجوه فأرى اكثرها ملطخاً بالدماء. كنت لا ازال اعتقد انه كان مجرد زلزال تحذيري ضرب بيت الوسط لتأديب المحكمة الدولية.

لم أدرك وأعِ ماذا فعل الدويّ الذي سمعته إلا يوما بعد يوم. لم يخطر لي في اي يوم أن بيروت تستحق هذا الجحيم. لم يخطر لي أن على جانبَي الطريق يفقد الألوف بيوتهم وتنزف دماء الآلاف، ولا تعثر بيروت على زعيم يتفقد جروحها، أو يقدم لها استقالته من العمل السياسي.

وسط الموت والهلع اطل ايمانويل ماكرون مثل الفارس دارتنيان في روايات الكسندر دوما، شاباً وشهماً وشجاعاً، فيما يختبىء سياسيو لبنان، خلف بيان آخر أو وعد فارغ. شاهدت لمحة من يوم القيامة وأنا عائد من “النهار” وعلى ثيابي دماء من سبقني في الهرب. ولم تخطر لي “حقوق المسيحيين” التي جعلت دكاناً تافهاً في عملية التسوق. لم يخطر لي شيء سوى أنني لن انسى ذلك الدوي الرهيب المصوَّب الى لبنان. وكنت اعرف أننا بلد بارع في تتفيه الموت. وأننا سوف نضحك على الموتى بإفادة “الشهادة”. لكن المأساة الكبرى كانت في مأساة الأحياء. 6 آلاف مصاب و 300 الف مشرد. بأي تسمية نضحك عليهم؟ بأي مؤتمر صحافي نرمم بيوتهم؟ مأساة في هذا الحجم وسياسيون في هذا الحجم. وهوة مريعة ترسم الفارق بين الناس والسياسة. ملعونة هي القلوب الفظَّة. ومبارك هذا الشعب الذي لم يرقَ حكامة مرة الى نبله وعاطفته ومشاعره. مثل دارتنيان هبّوا الى اللهفة. مثل الأم تيريزا. مثل ابطال الاطفاء والاطباء والممرضات. مثل لبنان الحقيقي الذي يقوم كل يوم لينفض الرماد عن الرماد والشر عن الجمر. خطرت لي خواطر شتى وأنا اعبر الركام والهلع والخوف من مشهد النهايات واليوم الأخير. وحزيناً تذكرت اننا متروكون إلى حكومة حسان دياب ووزيراتها وسلطة “اجراء اللازم”.