//Put this in the section

حكومة الحريري مستبعدة وتمّام ينتظر السعودية… وميقاتي!

سركيس نعوم – النهار

للرئيس سعد الحريري شرطان لقبول تأليفه الحكومة بالتشاور مع رئيس الجمهورية ميشال عون، المدعّم دائماً بحليفه القوي سياسياً وعسكرياً “حزب الله” و”الثنائية الشيعية” رغم أن العلاقة بين الاثنين تشوبها خلافات كثيرة مهمة وعميقة رغم المديح الكبير الذي وجّهه إليه (عون) الأمين العام لـ”الحزب” السيد حسن نصرالله في آخر إطلالة تلفزيونية له. الأول حصوله على مساعدات مالية من دول “سيدر” قيمتها نحو 10 مليارات دولار أميركي. والثاني امتلاك حكومته حقّ الاشتراع أي سنّ القوانين بواسطة صلاحيات استثنائية يوافق عليها مجلس النواب في أثناء مناقشته البيان الوزاري للحكومة التي يكون ألّفها. الشرطان هذان يُظهران بُعد الحريري عن الواقع. فالرئيس الفرنسي ماكرون أحيا “مؤتمر سيدر” وقرار تقديم مساعدات مالية واستثمارية الى لبنان قيمتها نحو 11 مليار دولار فور اتخاذه قرار زيارته والاجتماع برؤساء “دوله الثلاث” وقادة شعوبه أي طوائفه ومذاهبه في أعقاب مجزرة بيروت ومرفئها المروّعة والبشعة. لكن تنفيذ هذا القرار كان مرتبطاً يوم اتخاذه قبل سنتين بتنفيذ لبنان إصلاحات جوهرية متنوّعة إحداها أو أولاها تصحيح وضع الكهرباء التي كلّفت منذ عشر سنوات ما يُقارب نصف دينه العام. هذا أمر أبلغه “سيّد قصر الإليزيه” الى “سيّد بيت الوسط” الذي لم يرتح إليه رغم ظنّه أن الاجتماع الذي ضمه وماكرون قبل اجتماع الطاولة المستديرة في قصر الصنوبر ميّزه عن أقرانه “بابازات” الطبقة السياسية – الطائفية – المذهبية. كما أنه لم يرتح الى ما سمعه وهؤلاء من كلام قاس ومباشر وربما أحياناً بذكر الأسماء حول فساد معظمهم. هذا الموقف لن يتغيّر. فأوروبا والعالم كلّه يعاني أزمة اقتصادية كبيرة قد تتسبّب بركود مهم جرّاء فايروس “كورونا”. أما الصلاحيات الاستثنائية فإن قدرة ماكرون على إقناع الأطراف اللبنانيين الرافضين منحها الحكومة المرتقبة أي حكومة سواء كانت برئاسة الحريري أو غيره ليست كبيرة على الإطلاق، رغم أنه أتى الى بيروت وسيعود إليها في بداية شهر أيلول المقبل إذا لم يطرأ لبنانياً أو إقليمياً أو دولياً ما يؤجّلها أو يلغيها، كما رغم توافقه مع نظيره الأميركي ترامب على الزيارة ومندرجاتها والموضوعات التي سيركّز عليها. وأسباب قلّة القدرة أي العجز في هذا المجال معروفة. إذ أنهاها اتفاق الطائف الذي أنجزه برلمانيو لبنان وكانوا لا يزالون أحياء في حينه ويشكّلون غالبية أعضاء مجلس النواب. ولا يعني ذلك أنه تعرّض لهذا الموضوع في متنه وفي بنوده. بل يعني أن رفض إعطاء أول حكومة ألّفها الرئيس رفيق الحريري بعد الانتخابات النيابية عام 1992 من رئيس سوريا في حينه حافظ الأسد، أو بالأحرى موافقته على رفض رئيس حركة “أمل” نبيه بري حليفه في حينه والحائز رضاه لسرعة بديهته وذكائه ومنطقه المتكامل مع منطق دمشق، يعني أن ذلك أرسى قاعدة “قانونية أو دستورية غير مكتوبة” تُبقي فصل السلطات قائماً بل تعزّزه. وقد أراد الحريري الأب من الصلاحيات الاستثنائية كما سُمّيت تسهيل عملية إعادة الإعمار التي كانت أحد أبرز أسباب موافقة دمشق على ترئيسه أوّل حكومة له، باعتبار أن العملية السياسية الحكومية قرارها أو بالأحرى مرجعيتها ستبقى في يدها عبر حلفائها اللبنانيين سواء كانوا في قصر بعبدا أو في مجلس النواب وحتى الغالبية الحكومية. طبعاً نجح الحريري الأب الذي اغتيل بعد 13 سنة من دخوله نادي رؤساء الحكومة السابقين في تحقيق إنجازات رغم غياب الصلاحيات المذكورة عن حكومته جرّاء دعم سوريا وتحوّلها مذلّلةً الصعوبات أمامها مع حلفائها. وقد أسّس ذلك لعملية فساد واسعة جداً رفعت كلفة الإنجازات المحقّقة بطريقة خيالية شارك فيها حلفاء سوريا وغيرهم ورجال مال وأعمال وسياسيون رهنوا أنفسهم لها في مقابل المال ولو على حساب الدولة. هل كان رئيس الحكومة الذي استشهد عام 2005 شريكاً في ذلك المعروف أنه كان يريد الإنجاز بأي ثمن والنجاح بأي ثمن، أولاً في تحقيق حلمه أي إعادة بناء العاصمة ومعها لبنان. لكن الـ”بأي ثمن هذا” كانت كلفته باهظة جداً إذ أن “النفس أمّارة بالسوء” حتى عند بعض بطانته والقريبين منه الذين أشركهم في الدولة كما الذين بقوا على ضفافها. طبعاً لا يسعى “الموقف هذا النهار” الى تبرئة أحد أو اتهام أحد. لكنه يحاول أن يقول أن شعب لبنان الفاسد شرّعت سوريا الأسد الأب ولاحقاً الإبن فساده من فوق الى تحت. وأنها بدل جعل المؤسسات الدستورية منفصلة ومتعاونة من أجل لبنان الواحد حوّلتها دولاً ثلاث متنافسة ومتناقضة ومتصارعة لأسباب مصلحية خاصة كما لأسباب طائفية ومذهبية، ودائماً تجاوباً مع مصالح جهات خارجية إقليمية ودولية بعضها عدوٌ في المطلق وبعضها الآخر طرفٌ في صراعات لبنان أي عدوٍ لأطراف فيها وصديقٍ لآخرين علماً أن كلمة صداقة أو تحالف في هذا المجال لا تعبّر فعلاً عن حقيقة العلاقة. طبعاً استمر البعض في عزف نغمة الصلاحيات الاستثنائية للحكومات. لكنه كان عزفاً خفيض الصوت وغير مستحب بل مرفوض. وآخر من عزفها كان رئيس الحكومة المستقيلة الدكتور حسان دياب لكنه لم يلق تجاوباً فتخلّى عنها بسرعة كما تخلّى عن مواقف مبدئية كان بعض اللبنانيين “الثائرين” يظنّ أن تنفيذها مفيد باعتباره تكنوقراطياً ومستقلاً. لكن الممارسة أظهرته على حقيقته تكنوقراطياً ولكن من دون خبرة ومرتبطاً بغالبية نيابية يرفض قائدها الفعلي المعروف أي خروج عن “الخط الذي رسمه لها”. فضلاً عن أن شريكه رئيس “أمل” ومجلس النواب كان دائماً سداً منيعاً أمام الصلاحيات الاستثنائية.




هل يعود سعد الحريري رئيساً للحكومة؟ المعلومات المتوافرة عند متابعين وبدقة محادثات ماكرون في العاصمة اللبنانية يقولون أنه عندما طرح حكومة الوحدة الوطنية كان مقتنعاً بأن الوحيد المؤهّل لترؤسها هو الحريري. لكن ربما يكون أدرك أن اقتناعه في غير محلّه لسببين مهمين جداً. الأول رفض إدارة الرئيس الأميركي ترامب حكومةً كالمذكورة لأن “حزب الله” صار ومنذ مدة طويلة صاحب تمثيل فيها كونه لبنانياً وله تمثيل نيابي كما يمتلك غالبية نيابية. وخصوصاً بعدما وحّد الشيعة بالتعاون مع شريكه اللدود الرئيس نبيه بري. وهذا موقف لا تراجع أميركي عنه، كما لا تراجع لـ”حزب الله” عن الاشتراك في الحكومة. وموقف الأخير هذا مع رفضه حكومة حيادية أو حكومة مستقلين وتكنوقراط يُدخل مع موقف واشنطن البلاد في أزمة حكومية طويلة ويُبقي الحكومة التي لم تعمل الكثير قبل استقالتها تصرّف الأعمال لمدة قد تطول وقد تقصر. ولكن أي أعمال؟ والسبب المهم الثاني هو عدم اقتناع واشنطن بأن الحريري قادر على القيام بالمهمات المطلوبة من حكومته داخلياً أولاً وإقليمياً ثانياً ودولياً ثالثاً. وقد عبّر ديفيد هيل الرجل الثالث في الخارجية الأميركية في زيارته الأخيرة للبنان عن ذلك بتوجيهه الى سياسي لبناني مهم السؤال الآتي: “هل يستطيع الحريري القيام بالمهمة الحكومية؟”. (Can He Make It). طبعاً الى جانب السببين المذكورين هناك أسباب أخرى مهمة أولها الشك في تأييد “حزب القوات اللبنانية” تكليف الحريري تأليف الحكومة وثانيها إبلاغ الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط إياه مباشرة أو ربما بالواسطة أنه واللقاء الديموقراطية النيابي لن يكلّفه تأليف الحكومة ولو بقي وحده. طبعاً أبلغ جنبلاط ذلك الى صديقه اللدود والدائم منذ استشهاد كمال بك جنبلاط رئيس “أمل” ثم مجلس النواب موقفه هذا فـ”زعِل” ولم يكن راضياً. هل يقدم الحريري على “مغامرة” في رأي البعض هي التعاون مع “الثنائية الشيعية” بحيث تصبح حكومته حكومة الغالبية النيابية التي تقودها الأخيرة تماماً مثلما قادت حكومة دياب؟

في النهاية يؤكد المتابعون أنفسهم أن إسم الرئيس السابق للحكومة نجيب ميقاتي طُرح خلف الكواليس لتأليف الحكومة ومن فرنسا التي نجح في إقامة علاقات جيدة معها مثلما فعل في الولايات المتحدة وعواصم كبرى أخرى. ويعتقدون أن غيابه عن اجتماعين أخيرين لتجمّع رؤساء الحكومات السابقين كان نتيجة لذلك. ويؤكدون أيضاً أن سياسياً مهماً استمزج الرئيس تمام سلام في موضوع تأليف الحكومة الجديدة فتردّد ثم أكد أنه لن يقدم على هذه التجربة في الظروف الصعبة الراهنة إذا لم تفتح السعودية الباب للبنان وله. ولا يبدو أنها في هذا الوارد.