//Put this in the section
الدكتور داود الصايغ

في التمرّد على المواعيد القاتلة – الدكتور داود الصايغ – النهار

اليوم تتراكم تذكارات الزلازل. أسبوعان مثل اليوم، على انفجار بيروت، وخمسة عشر عامًا على انفجار 14 شباط 2005 واستشهاد الرئيس رفيق الحريري، الذي تُصدر المحكمة ذات الطابع الدولي اليوم حُكمها في قضيته.

ذهب لبنان بعد ذلك التاريخ إلى العدالة الدولية، لأنه لم يكن واثقًا أن أنظمة الظلام والشمولية، التي ترفع الاغتيالات إلى أسلوب الحكم، مؤهّلةً لأن تحقّق العدالة. ولبنان يومذاك كان مرتهنًا كما هو اليوم. وفي ذلك الفارق كلّ الفارق بينها وبين أنظمة الحقّ ودول القانون والحضارة، حيث المساءلة أساس الحُكم وأساس العدل.




الآن لبنان ينتظر التحقيق في الانفجار الأخير، وسط اهتمامٍ دولي ملحوظ. ومن المستحيل ألّا نعرف الحقيقة.

ولكن بالأمس، هنالك من قرّر اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لم يكن ذلك مصادفةً مأسوية أو حادثًا مفجعًا على نحو المعلومات الأولية عن تفجير مرفأ بيروت. كلّا. كان هنالك مقدّمات عديدة للمستاءين منه وللمحرّضين عليه. كان حضوره وحركته وإنجازاته شديدة الإزعاج لهم. فخطّطوا ونفّذوا ودمّروا وظنّوا أن ذلك الاغتيال، مثله مثل سوابقه العديدة في أنظمة الاستبداد، ما يلبث أن يطوى ويُحال إلى قضاءٍ ما مرتبطٍ بصاحب الأمر والنهي. وينتهي الأمر بعد الجنازة والتفجّع والخطب والتعازي.

كلّا. يومذاك تمرّد المجتمع الدولي مع اللبنانيين المتمرّدين بدعمٍ من فرنسا إيّاها، فرنسا جاك شيراك، مثل ما هي اليوم فرنسا إيمانويل ماكرون، وتولّى الموضوع مجلس الأمن الدولي من خلال قرارَين: الأول في نيسان 2005 بإنشاء لجنة تحقيق، وهو صدر يومذاك بالإجماع، والثاني عام 2007 بإنشاء محكمة خاصة لمحاكمة المسؤولين عن مقتل الرئيس رفيق الحريري. طال الوقت، هذا صحيح. ولكن أوان المحاسبة أتى. واليوم يصدر الحُكم. حدث ذلك لأن المستهدَف كان رفيق الحريري، الذي حضر في العالم وأعاد إحضار لبنان معه. ولا يمكن لاستشهاد شخصٍ بهذا الحجم أن يمرّ كجريمةٍ عادية مثل جرائم أنظمة الاستبداد.

من الركام إيّاه الذي غطّى اليوم بيروت، حرّر رفيق الحريري نفوس اللبنانيين منه، وأعاد إعمار العاصمة وما تهدّم من لبنان، وكان ذلك إنجازه الأكبر. ثار على الأنقاض، وأعاد الثقة ودعا اللبنانيين إلى التطلّع صوب الغد. ونجح. ودفع حياته ثمنًا لكلّ ما أنجز. وإلّا ما هي الأسباب التي دفعت بالمخطّطين إلى اغتياله، عدا عن أنه أراد إخراج لبنان من ذلّ الساحة، إلى مركز النور، إلى جسر التلاقي بين الشرق والغرب كما كان يردّد. لم يكن أكبر من بلده كما كان يقول، بل إنه كان أكبر منهم، وهذا كان ذنبه الأكبر بالنسبة إليهم. إذ لم يكن بالمستطاع احتواء حركته أو تدجينها، لأنه كان ثائرًا حقيقيًا، له قضية تتناقض مع ما كان خططّوا له، وهي قضية لبنان المتحرّر من كلّ قيدٍ وارتهان.

اليوم بالذات، يوم صدور الحُكم، يترك لنا رفيق الحريري وصيةً: أعيدوا الإعمار، ليس فقط لأنه ممكن، بل لأنه واجب. وأنتم شهودٌ عليه. أنتم بنّاؤون، ولم أكن أنا وحدي البنّاء.

هذا ما يقوله هو لنا بالتأكيد. ولكن ماذا نقول نحن لأنفسنا في التقاء هذَين الزلزالَين. وبخاصةٍ لأن الفاجعة الأخيرة لا تزال حاضرةً، ولا تزال الحسرات في التراب.

أمام النعوش صرخت الأمهات والنسوة غاضبات، تلعنَّ أقدار السنوات الأربعين الماضية التي امتلأت بالأطلال والنعوش. وهذا الألم مشروعٌ جدًّا، ولكن حين نتجاوز آلام اللحظات القاتلة، فهل صحيحٌ أن الكوارث هي قدرنا؟

كلّا، بالطبع، ليست الآلام أقدارًا. صحيحٌ أنها تراكمت في السنوات الأخيرة، وعواملها كلّها معروفة، أكان من الأيدي الخارجية العابثة التي افتعلت الحروب من جهة، وقيّدت لبنان بالسلاسل القاتلة من جهةٍ ثانية، إلى الأيدي الداخلية التي لم تقصّر في العبث والتورّط. هذا كلّه معروف. وما كان مجهولًا أمام البعض، أو ما كان كثيرون غافلين عنه أو غير مصدّقين له أنه قبل ركام الفاجعة في الشوارع، كان الحكم في لبنان قد أصبح ركامًا على حفافي طرق العالم. وهذا هو العار الأكبر بعينه. وإلّا كيف رفض العالم كلّه أن يتعامل مع الحكم اللبناني في قرارات الإغاثة والمساعدة وإعادة الإعمار.

وصار معروفًا أن إيمانويل ماكرون، في الاجتماعات المغلقة والمفتوحة، وجّه كلامًا قاسيًا إلى هؤلاء المسؤولين. وأدرك بالطبع، مثله مثل جميع اللبنانيين، أنهم عميانٌ وأصمّاء، في ما عدا مصلحة البقاء على الكراسي والحفاظ على المصالح.

الآن نحن أمام تحدّيين كبيرين: الأول معرفة ماذا جرى. والثاني معرفة كيف تستمرّ الحياة.

فمن المستحيل أن تدمّر بيروت ويقضي المئات وأن يُسَلّم إظهار الحقيقة إلى دولةٍ سبق وكبّلت بالأحلاف الخارجية. فلعلّ بيروت قُتلت قبل أن تُهدم، لأن وجهها المنير غطّته سحب الجبهات القاتلة قبل أن تدمَّر. فهذا وحده كان الجريمة الكبرى. فأشاح العالم أبصاره عنّا، وترك حفنةً من الجهلة، على سبيل المثال، يفاوضون صندوق النقد الدولي غير متّفقين حتى على الأرقام. أتذكرون؟ هذا بالأمس. مجموعة هواة وطارئين نصّبوهم وزراء، ليزيدوا على غياب الحكم في الأصل غيابًا جديدًا.

ومع ذلك، وبالرغم من السواد المتعاظم في النفوس، حضر ذلك الرئيس الشاب إيمانويل ماكرون ليقرأ لبنان من جديد. لبنان كما عرفه يافعًا وهو بعد على مقاعد الدراسة، لبنان لا مارتين، وفولنيه، وإرنست رينان الذي كتب أن “رعشات لبنان تتردّد في العالم”les frissons du Liban courent le monde، وجميع المستشرقين الذين نقلوا لبنان إلى ضمائر الفرنسيين.

هذا الرئيس الشاب كان يعرف كلّ شيء قبل أن يستمع إلى من استمع إليهم. جاء باليد التي كان يُفترض أن تمتدّ.

ولذا من المستحيل ألّا نعرف، وسط هذه التحليلات التي تتراوح بين القنبلة المتفجّرة أو الصاروخ… وعامل التلحيم في معبر المتفجّرات. إذ لم يعد الأمر بيد اللبنانيين، لأن لبنان اليوم هو على المفترق الفاصل: إما أن يبقى في الاعتقال، وإما أن يتحرّر. وهذا هو الثمن الوحيد المقبول لكارثة بيروت ولبنان.

نعم يتحرّر، من تلك الوصاية الغريبة والمستغربة للمرجعية الإيرانية، التي يناهضها العالم كلّه لعقيدتها التوسّعية، والتي لم تحقّق توسّعها إلّا في لبنان. لبنان يتحرّر من أي وصايةٍ كانت، لأنه ولد حرًّا. وكان ذلك مبرّر وجوده الأصلي. كان ولا يزال موئلًا للباحثين عن الحرّية. ولذا فإن ربطه بالقيود هو علامةٌ شاذة في تاريخه، وعلى أيدي الذين ليس لهم لا من قريبٍ أو لا من بعيد أي علاقة بنا.

لقد اتّفقنا في نهاية الحروب على أن كلّ الوجوه إلى الداخل. وعلى هذا الأساس طُرح منذ زمنٍ طويل موضوع الحياد. فليس هناك من بلدٍ في العالم يليق به الحياد مثل لبنان. حيادٌ على صورته. لعلّه صعبٌ في الوقت الحاضر ولكنه لم يعد مستحيلًا وبخاصةٍ بعد كارثة الدمار.

والآن الوجوه هي إلى الأمام. فالمطلوب من أصحاب أقلام النواح على بيروت أن يتوقّفوا. وليوجّهوا أقلامهم إلى الغد. دائمًا إلى الأمام. وليوفّروا علينا مخزونات أفكارهم البكائية ليملؤا الصفحات فهذا آخر ما يفيد. فالتاريخ عندنا وعند غيرنا حافلٌ بالبنّائيين. وليس للشعوب الحيّة أفضالٌ في ذلك. هذا من جهة.

أما من جهةٍ ثانية، فإن العالم ثار نيابةً عنّا في وجه المسؤولين عنّا، أن يرحلوا نعم ولكن أن يرحل معهم وقبلهم أولئك الذين جاؤوا بهم. وهذا أول المطلوب. وهذا هو ربما هو التعويض الوحيد الذي يمكن أن يعزّي حتى يمضي لبنان إلى الأمام.

اليوم يطلّ علينا وجه رفيق الحريري من جديد، وهو لم يغب أبدًا. ولكن في تلاقي الحدثَين ما يشير إلى أمرَين: العدالة والحياة وقبلهما التمرّد. بالأمس على ذلّ الساحة واليوم على ذلّ تشوّه وجه لبنان النبيل من قبل المسؤولين عنه.