//Put this in the section

التجربة اللبنانية مع التحقيق في الكوارث… كارثة: لبنان “مقبرة الحقيقة”!

يتربع رجال السلطة اللبنانية، في دولة يقول فيها رئيس مجلس النواب نبيه بري أن “الضعيف” فيها “يذهب إلى القضاء”، على قمة هرم النظام القانوني، لتسمو الإتفاقيات السياسية والطائفية على الدستور وما عداه من قوانين. وعليه، يصعب تطبيق مبدأ فصل السلطات، وينعدم الدور الرقابي للقضاة، وتنام الملفات في الأدراج ولا تصل التحقيقات إلى خواتيمها. فيستطيع الصغير والكبير تعداد الأحداث الكبرى المتتالية والقضايا والكوارث التي شهدتها البلاد ولم يتم التحقيق فيها بجدية، ولم تُتابع أو يحاسب عليها أحد.

“بعد انفجار بيروت ليس كما قبله”، تتردد هذه العبارة في الإحتجاجات المتتالية في ساحات بيروت المفجوعة على أبنائها ومرفق البلاد الحيوي الأول. “وصل الموس للرقبة” ولم تعد كل الجهود التخديرية تنفع مع الشعب اللبناني الذي يطالب بتنحية رؤوس الفساد وأذنابه معاً ومحاسبة الفاعل. المتفق عليه حتى الآن أن ما تعيشه بيروت راهناً هو “حرب عالمية بمقاييس محلية” لذا نسأل: “هل ستختلف الأمور هذه المرة؟ وهل سيُحاسب أخيراً من نتحدث عنهم بضمير مستتر؟ وما هي خياراتنا وتجاربنا السابقة؟




القضاء اللبناني “مسيّس”

أمام ما يوصف بـ”إبادة جماعية للشعب اللبناني”، واستناداً الى التجارب السابقة، يطالب غالبية اللبنانيين بتحقيق دولي إعلاء للحق والعدل. وحتى نخرج من منطق المؤامرة، نستشهد بتصريحات رئيسة نادي قضاة لبنان القاضية أماني سلامة، في بيان تلته، خلال وقفة احتجاجية نفذها أمام قصر العدل في بيروت عدد من قضاة النادي دعت فيه إلى “قلب الطاولة” بما أن الوضع في القضاء اللبناني لم يعد يحتمل أي سكوت.

وأشارت القاضي سلامة إلى تساهل الحكومة في مخالفة القانون عبر تأليف “لجنة تحقيق إدارية في فاجعة الوطن مؤلفة ممن يُفترض التحقيق معهم”، أما رئاسة الجمهورية فـ”ردّت التشكيلات لأن سواها تدخّل فيها وحزبها لم يتدخل، فسقطت التشكيلات التي ادعى المجلس أنها عظيمة، لا لأنها عظيمة بل لأنها لم تكن أسوأ، فلو كانت أسوأ مما خرجت عليه لربما مرّت وتغاضى من فضح عوراتها من الفضح لو لم تغب حصته منها”. وتساءلت سلامة “ماذا يفعل القضاء؟ لماذا هو مغيب؟ هو غائب أو مغيب لا فرق طالما ارتضى تغييبه. أتى الرئيس الأول منقذاً منذ نحو عام ولم يتمكن من الانقاذ، ربما حوصر أو أُحبط”. قس الى ذلك تحديات يعيشها القضاء اللبناني في مختلف الملفات الصغيرة مقارنة بملف انفجار بيروت على رؤوس أهلها. تتالت الكوارث في لبنان وتتالى معها الفشل في القيام بتحقيقات شفافة والإعلان عنها، لا بل تحولت الملفات القضائية لأوراق ضغط علنية بين الأحزاب اللبنانية نذكر منها ملف “حادثة قبرشمون” مثالاً.

وفي حين تعمل حكومات لبنان الأخيرة على تلافي مخاطر الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية على أنظمة حكمها، يأسف المواطنون لعدم خضوع أي من الحكومات المتعاقبة وأذرعها في الوزارات للرقابة القضائية، فلا يبت أحد في التماسات ضد قرارات أو إجراءات تتخذها. أما الحاجة لقضاء مستقل في لبنان فكانت ولا تزال حاجة ملحة، ليس في جزئية “تضارب المصالح” فقط، بل في كل ما يتعلق بعمل وبأداء القضاة، حماية للجهاز القضائي ككل من خطر التعفن الداخلي والفساد، الفردي والمنظومي وحماية لهم من التعرض للأذى، بخاصة أن الجسم القضائي قد تعرض مسبقاً لاغتيالات نذكر منها اغتيال القضاة الأربعة في صيدا التي عاشت 19 عاماً من التلكؤ في كشف الحقيقة. وحتى إقرار قانون استقلالية القضاء، هذا إذا تم اقراره بقدرة قادر، يبقى “الجارور” مصير ملف الإنفجار الأخير.

 

تجارب سابقة

قانونياً، تتحدث المحامية ديالا شحادة “عن تشكيل لجان التحقيق البرلمانية بحسب الفصل الثالث من النظام الداخلي لمجلس النواب اللبناني، الذي يشرح في شكل دقيق طريقة عملها وصلاحياتها وطرق إجراء التحقيقات في المواد المطروحة من 139 حتى 143”. وتضيف أن “لمجلس النواب في هيئته العامة أن يقرر إجراء تحقيق برلماني في موضوع معين كإنفجار بيروت مثلاً أو الحرائق التي ضربت لبنان، أو في ملف مجرور الرملة البيضاء على سبيل المثال لا الحصر، على أن يتم ذلك بناءً على اقتراح مقدم إليه للمناقشة، أو في معرض سؤال أو استجواب في موضوع معين أو مشروع يطرح عليه”.

تتابع شحادة: “بناء على كل التجارب السابقة، لا تصل كل لجان التحقيق والأسئلة والإستجوابات للأسف إلى نتيجة حتى ولو كان هناك طرف سياسي يتربص بالآخر، لا بل تعتبر مقبرة للحقيقة، ونشهد بين الحين والآخر تسليطاً إعلامياً على ملف وفجأة بعدها يموت الموضوع كلياً، ما أضعف ثقة المواطنين بلجان التحقيق البرلمانية كلياً بالدرجة الأولى وفي القضاء اللبناني ثانياً”.

ما رأي الإعلامية غادة عيد التي فتحت ملفات فساد مالي وقضائي وعالمة “بالبير وغطاه”؟ تقول: “إن لجان التحقيق النيابية تتطلب وجود أشخاص لم يشاركوا في الحكم منذ العالم 1992، كي لا يكون من يحقق في الملف متورطاً بملف آخر، إلا أن ذلك عملياً مستحيل”. تتابع: “نحن لا نتكلم كي ننتقد فقط. راجعوا ملفات الفساد المالي التي لم تُقفل حتى الساعة من ملف بنك المدينة، إلى ملفات تبييض الأموال، إلى فضائح الفساد الموثق في الوزارات وإخبارات شركة سوكلين، وتابعوا القضايا التي احيلت إلى المجلس العدلي منها قضية مقتل الأخوين انطونيوس وقضية منطقة نهر الموت وسلسلة الإغتيالات من الثمانينات، كقضية رئيس الجمهورية السابق رينيه معوض والنائب ناظم القادري وغيرهما، الى الإغتيالات التي توالت بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري كقضية سمير قصير وجورج حاوي ومحمد شطح ووسام الحسن واللائحة تطول”. وعن اللجان البرلمانية قالت عيد إنها “لا تقدم ولا تؤخر” رغم أن صلاحياتها كثيرة من بينها إجراء التحقيقات والإستماع إلى الإفادات وحتى توقيف المتورطين”. وبرأيها، “تكمن المشكلة في أن العنصر السياسي في لبنان يتغلّب على العنصر القضائي وتتم تعيينات قضائية بناء على الولاء السياسي والحزب والطائفة، مما يقف بين عمل اللجان البرلمانية والوصول إلى نتائج فعلية. فالتركيبة اللبنانية والهيمنة السياسية على مجريات الأمور أفقدت الناس الثقة بكل المنظومة السياسية وبلجان التحقيق النيابية وبالمجلس العدلي الإستثنائي”.

إذا ما كبرت ما بتصغر

تابعت عيد: “على الرغم من قصر ذاكرة الشعب اللبناني لكثرة المصائب المتتالية التي يقع فيها، يعلم المواطن أنه لم يصل إلى نتيجة في أي تفجير حصل في لبنان أو في أي ملف مالي أثير على وسائل الإعلام. ويمكننا الإضاءة على أمثلة كثيرة منها لجنة التحقيق في ملف الإتصالات أو حين تقدم النواب علي فياض وياسين جابر وابراهيم كنعان، باقتراح لتشكيل لجنة تحقيق برلمانية في 28 نيسان 2012 حول “التجاوزات التي شابت الإنفاق العام منذ مطلع العام 1993، وحتى نهاية 2011 وتضمن الإقتراح طلب منح اللجنة بعض صلاحيات قضاة التحقيق بموجب أحكام القانون 11/72″، أو حين تقدم نواب حزب “الكتائب اللبنانية” بطلبين لتشكيل لجان تحقيق برلمانية، أحدهما يتعلق بالنفايات والآخر بالبواخر، وفي 6 آذار 2019 بطلب تشكيل لجنة تحقيق برلمانية بموضوع التوظيف العشوائي وغير القانوني في القطاع العام منذ العام 2017، أو اللجنة التي طالب بها أخيراً النائب سامي الجميّل في موضوع عدم صيانة طائرات إطفاء الحرائق “السيكورسكي”، التي لم تسعف الحرائق التي نشبت في مساحات واسعة من لبنان في تشرين العام 2019، وحتى الآن لم يطّلع اللبنانيون على نتائج التحقيقات التي وعدوا بها سواء بالتحقيق بأسباب توقف الطائرات أو إذا ما كانت الحرائق مفتعلة”. تضيف: “من يتابع عن كثب ينتبه أن الكتل النيابية الكبيرة تقوم أحياناً بإغراق الأمانة العامة لمجلس النواب بإقتراحات قوانين تطالب بتشكيل لجان تحقيق برلمانيّة أخرى، لاستعمالها كأوراق ضغط على بعضهم البعض ولتطيير لجنة تحقيق برلمانية ما تستهدفهم”.

وختمت عيد: “عانيت شخصياً من تسييس القضاء حين صدر بحقي مذكرة توقيف العام 2003 بعد أن فضحت اعلامياً أحد ملفات الفساد القضائي. والمشكلة الأكبر لا تكمن فقط في عدم استقلالية القضاء بل في عدم محاسبة القضاة الفاسدين كذلك الأمر، فحتى من يثبت فساده إما تتراجع رتبته القضائية أو يُفصل، لكن لا يُسجن ولا تتم محاسبته بالشكل المطلوب والمتعارف عليه، كما لو أن القانون لا يطبق على المواطنين سواسية. في الحقيقة عندما يطالب الشعب بتحقيق دولي، لا يريد الانتقاص من سيادة لبنان بل يأمل بكشف الفاعلين، كي لا تبقى الأمور ملتبسة عليه كما هي الحال الآن وبهدف محاسبة الفاعل. لا نريد محكمة دولية، نريد تحقيقاً دولياً يكشف الفاعل و”خلي الشعب يحاكم”.

اليوم، يلوذ اللبنانيون بالمثل الشائع: “إذا ما كبرت ما بتصغر” أملاً بالفرج. فهل سيُفرج عن الحقيقة هذه المرة أم ستُدفن كشبيهاتها مجدداً؟

مريم مجدولين لحام | نداء الوطن