//Put this in the section
راجح الخوري

أدفنوا قتلاكم وإتركونا نشكّل الحكومة! – راجح الخوري – النهار

تكراراً ليس الوقت للسياسة التافهة، ففي مأتم بيروت اليتيمة كل الكلام للفاجعة ولشهداء لبنان، أما الجريمة ففي إنتظار تحقيق طويل.

كان أكبر رابع إنفجار في التاريخ: ما يناهز 200 شهيد وما يزيد عن ستة آلاف جريح وعشرات آلاف المشردين، الذين تحطمت بيوتهم وحياتهم، ومدينة مدمرة، ووطن منهار، لا يوازي ركام حجارته، إلا ركام كل أهله المنكوبين وكل المواطنين وكل منهم يعرف أن شيئاً اساسياً في حياته تمزق مثل بيروت: الحياة، الإطمئنان، الأمل، المستقبل، الرجاء، الفرح. التصديق أنه يمكن بعد توافر شيء من المبررات المقنعة، لإستمرار العيش في هذا الجحيم الذي صنعتموه، والذي تحرسه عصابات سياسية، يختارها ويا للمرارة، معظم هذا”القطيع”، منذ زمن بعيد ومتواصل وبالتأكيد سيتواصل، ودائماً من منطلق ان “السماء” تدلّهم عبر المذهب على رعاتهم.




لقد دمر الإنفجار المدينة وصدّع جدران الركون في كلٍ منا، وإقتلع اهراءآت القمح، التي قيل أنها جاءت نتيجة هندسة بارعة، صنعت جبلاً إسمنتياً حمى بعض الأحياء، لكن هذا الإنفجار، لم ولن يقتلع هذه “الإهراءآت السياسية الفاسدة”، والمتوحشة، والوقحة، والكافرة، والتي لا أغالي ان قلت انها تغرق منذ ذلك الثلثاء الأسود في مبارزة سياسية فوق قبور الذين تمزقوا، وفوق ركام حياة الناس التي تمتزج بركام البيوت والأحلام والأمال في المدينة المقتولة وساحاتها.

لقد اقتلعتهم دول العالم كله، وعزلتهم وعاملتهم وكأنهم من خارج هذا البلد، ومن خارج شعبه ومنكوبيه، لقد رفعت عنهم الشرعية وعاملتهم منذ اللحظة الأولى، كمن يرفع الغطاء عن بئر الافاعي، عندما قررت ان دولة الفساد والنهب، دولة السرّاقين والسماسرة، غير مؤتمنة على ان تقوم حتى بتسلم المساعدات والإغاثات، لأنها ستبتلعها وتسطو عليها، وكانت هذه إهانة غير مسبوقة في تاريخ الأمم، ان يعترف العالم بشعب ويسقط الغطاء عن دولته بطريقة مهينة، لا تحتاج الى التدخل المباشر بل الى الإنكار والتجاوز، ولكن معظم المسؤولين والسياسيين، الذين لم يقتلعهم ذلك الإنفجار ولم ينسف دولتهم الفاسدة والمهترئة، لن يقتلعهم بالطبع هذا الإجماع على إسقاط الشرعية الدولية عنهم !

أدفنوا شهداءكم واسألوا الله ان يعطينا ويعطيكم ما يكفي من الدموع ومن الحزن الخانق، وإنتظروا الحكم الذي لم يترددوا في القول انه سيصدر في خمسة أيام، لم تكن كافية للبحث عن المفقودين والأشلاء المدفونة تحت الركام ، خمسة أيام ولكأن الإنفجار الذي روّع العالم، مجرد جريمة قتل يصدر الحكم فيها في خمسة أيام، ثم انتظروا المجلس العدلي، وتاريخه المشهود في سرعة تحقيق العدالة، وتذكروا انه منذ انشائه عام 1923 زمن الانتداب حتى اليوم، نظر في أكثرمن خمسين جريمة، معظمها ضاع في أدراج العدالة منذ عشرات الأعوام !

نعم ادفنوا شهداءكم وبللوا جدران بيوتكم بالدموع، ولا تزعجوا الدولة ومعظم المسؤولين والسياسيين فيها، الذين لم ينزلوا حتى الى عاصمتكم المقتولة والنازفة لمشاركتكم التفجع والبكاء والهول لأنهم لا يجرؤون، والذين تأخذهم صراعات ومناكفات الحديث عن تشكيل حكومة جديدة لدولة كانت جثة قبل ان يمزقها إنفجار العصر وقبل ان تدفنها دول العالم .

لا ليس الوقت للكتابة عن ترهات السياسة ومهازل الحكومات، الوقت لمأتم الشهداء تبتلعهم دولة مقبرة، ولطوفان دموع وأحزان لن يسمعها أحد وسط القتال في “الكوكب البعيد” على شكل الحكومةـ التي ستستأنف غداً سرقتكم وقتل إبنائكم .