//Put this in the section

العبور إلى 18 آب… الحقيقة والعدالة لأجل لبنان

مجد بو مجاهد – النهار

إنّ العبور إلى موعد النطق بالحكم في قضيّة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، هو في ذاكرة اللبنانيين لحظة عودة إلى تلك الحقبة التي يدوّنها التاريخ بنداءات أبناء “انتفاضة الاستقلال” ويكتبها بشعارات العدالة والحقيقة لأجل لبنان. قد يُختصر ما يربط الشعب بحكم المحكمة، بتلك التعابير العفويّة المدوّنة في خانة التعليقات الخاصّة بأغنية “بيروت عم تبكي” على الانترنت، والتي حملت معها عناوين سنة 2005 إلى زمن آخر، اسمه مواقع التواصل الاجتماعيّ بعد مضيّ 15 سنة على الجريمة – الفاجعة. الشعب ينتظر. يكتبون تعليقاتهم وهم يستمعون الى الأغنية. قبل سنتين راسلوه افتراضيّا: “الله يرحمك يا رب… لو تعرف شو صار بلبنان من بعدك”. قبل شهرين تحديداً، كتبوا له: “يا ويلنا من بعدك. صار الدولار بسبعة آلاف. يا ريت لو ترجع، بحبّك”. وقبل أسبوعٍ، عادوا الى الأغنية، واشتكوا له ما حلّ ببيروت: “الله يرحمك. شفت لبنان اليوم وترحّمت عليك. بتقول ما في حدا أكبر من بلدو، وانت بلد وحلم بلد والأيام بيّنت مكانتك”. كلّهم ينتظرون، لأنّهم يريدون معرفة حقيقة من اغتالهم. 18 آب: لحظة النطق بالحكم في جريمة اغتيال وطن وشعب. إنّه هذا الفارق الواضح بين لبنان المحلّق فوق سابع سماء، في زمن الرّجل الذي حلّق فوق سابع سماء… وبين لبنان القابع تحت تاسع أرض، في زمن القابعين تحت تاسع أرض.




رغم الأزمات والنكبات التي تعصف باللبنانيين من دون العثور على ترياق، إلّا أن الساعات المقبلة مخصّصة لوضع كلّ المواجع جانباً ومداواة النكبة الأمّ: 14 شباط 2005. في مقاربة أوساط قياديّة في “تيار المستقبل” عبر “النهار”، المؤكّد هو أنّ 18 آب خطّ فاصل بالنسبة الى قراءة الوقائع والمواجهة السياسيّة، وسط تأكيد بأنّ الرئيس سعد الحريري لا يمكن أن يشكّل سوى حكومة حياديّة لا يتمثّل “حزب الله” فيها في ظلّ تشابك معطيات ذات أبعاد شخصيّة وسياسيّة في آن معاً. وتترقب الأوساط “المستقبليّة” كيفيّة تعامل المجتمع الدوليّ ومجلس الأمن مع الحكم الصادر في القضية ما من شأنه رسم معالم المرحلة المقبلة.

العودة الى رفيق الحريري الشخص، بمثابة رجوع الى سيرة رجل عصاميّ انطلق من أسرة متواضعة في صيدا الى حقبة النجاح المهنيّ العالميّ اللامع في المملكة العربية السعودية، حيث اتّسع نطاق عمله وأسّس الشركات، وإذ به يضطّلع بدور مهمّ في إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية وصياغة اتفاق الطائف وإعادة إعمار لبنان. ويذكر اللبنانيون كيف ارتفعت قيمة العملة الوطنية بعد أيام من تعيينه رئيساً للحكومة سنة 1992، في مرحلة تفاءلوا فيها خيراً برجل أتى ليحقّق إنجازات عمرانية ويعيد وصل ما انقطع في الحرب بين شبكات طرق المناطق اللبنانية. واذ به يثبّت مكانة لبنان الاقتصادية والسياحية، ويقدّم منح طلابية للدراسات الجامعية لأكثر من 36 ألف شخص على مدى 20 سنة.

أبو كسم: أوّل حكم يصدر عن محكمة ذات طابع دوليّ ينظر بجرائم الإرهاب في زمن السلم

اليوم. أيّ أهميّة علميّة وقانونيّة وعالميّة للحكم الذي سيصدر في الساعات المقبلة؟ وجّهت “النهار” هذا السؤال إلى المحامي الرئيسي لدى المحكمة الخاصة بلبنان ولدى المحكمة الجنائية الدولية الدكتور أنطونيوس أبو كسم، الذي يشير إلى أنّ “الحكم الذي سيصدر عن المحكمة الخاصة بلبنان في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، يكتسب أهميّة قصوى أكان على المستوى القانوني أو على المستوى الدولي لمكافحة الإرهاب. إنّه أوّل حكم يصدر عن محكمة ذات طابع دوليّ ينظر بجرائم الإرهاب في زمن السلم، فيما باقي المحاكم الدولية تنظر بجرائم القانون الدولي الإنساني (جرائم الحرب وجريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضدّ الإنسانية). بغياب تعريف دوليّ موحّد لجريمة الإرهاب الدولي، إنّ هذه المحكمة ومن باب الاجتهاد، قد أعطت تعريفاً جديداً لهذه الجريمة على الصعيد الدولي. إضافة إلى ذلك، سيكون هذا الحكم منطلقاً لقبول الأدلة الظرفية في الجرائم الإرهابية المعقّدة عبر اللجوء إلى الأدلّة الرقميّة”.

وعن العقوبات التي يمكن أن تصدر في حقّ المدانين بالجريمة ، يقول أبو كسم إنّ “إنّ كلّ متّهم مدان سيحكم بتنفيذ عقوبة قد تصل إلى السجن مدى الحياة، حيث أنّ نظام المحكمة لا ينصّ على عقوبة الإعدام. في حال الإدانة ستعقد جلسة أخرى مخصّصة للنطق بالعقوبة، ولأن المحاكمة غيابية، ستصدر غرفة الدرجة الأولى مذكرات توقيف بحقّ المدانين، على الدولة اللبنانية تنفيذها دون تأخير لا مبرر له. كما وأنّ هذه المذكّرات ستعمّم دولياً بواسطة الانتربول. في حال عدم استجابة لبنان لطلب أو لأمر من المحكمة، يجوز للغرفة المعنيّة أن تنظم محضر قضائي وعلى رئيس المحكمة أن يباشر التشاور مع السلطات اللبنانية ﺑﻬدف الحصول على التعاون المطلوب. في حال لم يقدّم أي رد مقنع، يعدّ الرئيس محضرًا قضائياً ﺑﻬذا الأمر ويحيل المسألة إلى مجلس الأمن للاطلاع واتخاذ الإجراءات المناسبة. للمحكومين غيابيا طلب إعادة المحاكمة من جديد شرط المثول وجاهياً أمام المحكمة”.

ماذا يتغيّر بعد 18 آب؟ في خلاصة أبو كسم إنّ “صدور الحكم يشكّل خطوة هامّة نحو مكافحة الإفلات من العقاب في لبنان بعد عقود من الاغتيالات السياسية التي لم يحاكَم مرتكبوها. إنّ عدالة المحكمة الدولية تؤذن أنّ مرتكبي الجرائم السياسية والاغتيالات ليسوا بمنأى عن العدالة. عسى أن تكون عدالة المحكمة الدولية ركيزةً لحماية الديموقراطية وحماية الحياة السياسية ورادعاً كي لا يستمرّ القتل، إحدى الأدوات المشينة التي تستعمل في الخلاف السياسي، إذ إنّ استمرار الاغتيال السياسي نهجاً مستمرًا في لبنان قد يهدّد الحياة السياسية ووحدة الوطن. إنّ صدور أوّل حكم عن المحكمة الدولية يشكّل فرصة للقضاء اللبناني ليطوّر إمكانيّاته وليتمتّع بالاستقلالية والمناعة ليصبح قادراً على النظر بالاغتيالات دون تدخلات سياسية”.