//Put this in the section

ميشال عون نموذج براغماتي مفضوح يودي بالمارونية السياسية

صلاح تقي الدين – العرب

لم يمرّ على لبنان الذي سيحتفل بالذكرى المئوية لإعلانه في الأول من سبتمبر المقبل، عهدٌ أسوأ من العهد الذي بدأ في أكتوبر من العام 2016 بعدما فرض حزب الله المهيمن بسطوة سلاحه على الساحة السياسية قائد الجيش وجنرال “الحروب الخاسرة” السابق ميشال عون رئيساً عقب فراغ دام لسنتين ونيف منذ نهاية ولاية العماد ميشال سليمان في 24 مايو من العام 2014.




والكلام في الانحدار السريع للوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي والقضائي والأمني الذي وصل إلى ذروته في عهد عون لا يقال من باب التجني، حيث أن حناجر اللبنانيين الذين افترشوا الشوارع والساحات، من مدينة طرابلس الشمالية وصولاً إلى النبطية وصور في الجنوب مروراً بزحلة وسعدنايل في البقاع والعاصمة بيروت، بحت نتيجة لتراجع المستوى المعيشي إلى أدنى درجاته وتفشي الفساد المرتبط بالسلطة الحاكمة، لتصدح كلها بشعار واحد: “ارحل ارحل ميشال عون”، لا بل تعدتها في الأيام التي أعقبت الزلزال الذي ضرب مرفأ العاصمة بيروت في الرابع من أغسطس الحالي حيث نصبت مجسمات لمشانق في ساحة الشهداء علقت عليها رموز السلطة الفاسدة فيما أحرق المجسم الذي علق عليه الجنرال عون.

إرث الهزائم

كثيرون هم الذين وجهوا انتقاداتهم إلى الفريق المحيط بالرئيس عون في قصر بعبدا في معرض مهاجمة العهد بعيد انتخاب عون رئيساً، حتى أن العديد من السياسيين حاولوا تحييده في معرض هجومهم على سياسة العهد فتارة كانوا يستهدفون صهره رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل وتارة مستشاره القانوني الوزير السابق سليم جريصاتي، غير أنه منذ انتفاضة 17 أكتوبر 2019 لم يعد المنتقدون يفرقون بين أزلام العهد وسيده لا بل صارت الانتقادات والاتهامات توجه إلى عون مباشرة خصوصاً بسبب “زلات اللسان” التي وقع فيها والتي هي من سماته المزمنة من حيث دعوة “يللي مش عاجبن يفلوا” و”شو هالشعب الطز” وغيرها الكثير.

والطامة الكبرى في مسيرة عون تأسيس ما أسماه “تيار الإصلاح والتغيير” والذي سلّمه طوعاً إلى صهره باسيل، حيث لم يحقق هذا التيار ولو خطوة واحدة على صعيد مقاربة شعاره بالواقع، لا بل ارتكب من الفساد ما لم يكن يخطر على بال، رغم أنّ باسيل تحدى الجميع الاتيان بما يثبت فساده، لكن أقرانه من السياسيين يستطيعون الحديث في هذا المجال إلى ما لا نهاية، حتى أن جمهور تياره بدأ بالانشقاق وكيل اتهامات الفساد والفوقية بحق باسيل جملة وتفصيلاً.

منذ أن وجد الرئيس السابق أمين الجميل نفسه مرغماً في العام 1984 على تعيين “العقيد” عون، آنذاك، والذي كان يتولى قيادة اللواء الثامن المنتشر على جبهة الحرب الأهلية في منطقة سوق الغرب الجبلية، حتى بدأت تتحقق أولى “أحلام” هذا الرجل الطامح للوصول إلى سدة الرئاسة عبر “انتصارات” حربية وهمية في معركة تلة 888 الشهيرة التي تدخّلت فيها بوارج الجيش الأميركي لوقف الهجوم على سوق الغرب، في وقت كان “البطل” يدير العمليات العسكرية بعيداً عن جنوده من غرفة عمليات قيادة الجيش. ويمكن العودة في هذا الاطار إلى ما كشفه الصحافي الفرنسي الشهير آلان مينارغ في كتابه “أسرار حرب لبنان” من أن عون كان من ضمن الفريق الاستشاري الضيق لرئيس القوات اللبنانية آنذاك الرئيس الراحل بشير الجميل، ورغم فارق السن بينهما إلا أنه من الواضح أن عون أراد تقليد خطوات الجميل كسبيل لتحقيق حلمه الرئاسي.

وبطولاته العسكرية بدأها بتنفيذ جولة استطلاعية على محاور الجبل القريبة من جبهة سوق الغرب من خلال مرافقة قائد القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل لبنان آنذاك، ولولا وجود الإسرائيليين لما كان باستطاعة عون رد الانتقام الشعبي الذي أظهره الدروز لدى مروره على مستديرة “عاليه” حيث هاجمته إحدى النسوة ورمته بحذائها.

ونتيجة الأزمة السياسية الكبيرة التي تجلت بعدم انعقاد المجلس النيابي لانتخاب رئيس للجمهورية يخلف الرئيس الجميل قبيل نهاية عهده، وجد الأخير نفسه مرغماً على تشكيل حكومة عسكرية انتقالية مهمتها تأمين انعقاد مجلس النواب لانتخاب رئيس للجمهورية، لكن طموحات عون الرئاسية وجلوسه، المؤقت، على كرسي رئاسة الحكومة في قصر بعبدا زادت على ما يبدو من تعطشه إلى السلطة فمنع انعقاد المجلس مراراً من خلال “خطف” النواب المسيحيين الذين كانوا سيؤمنون نصاب انعقاد الجلسة.

وما زاد الطين بلة حربان خاسرتان شنهما عون، أولاً بوجه غريمه قائد القوات اللبنانية سمير جعجع وأسماها “حرب الإلغاء” كان هدفه المعلن منها استعادة الحوض الخامس في مرفأ بيروت وإعادته إلى الشرعية، في حين أن الهدف الحقيقي كان توحيد المجتمع المسيحي خلفه. وكانت نتيجتها تدميراً وحشياً للمنطقة الخارجة عن نطاق سيطرة الجيش الذي يقوده وتهجير جماعي للمسيحيين منها. وثانياً “حرب التحرير” التي شنها ضد القوات السورية لأن النظام السوري رفض التفاوض معه للوصول إلى الرئاسة، فصب عون جام غضبه على المنطقة الغربية من بيروت والضاحية الجنوبية، وقصفت قواته المدنيين وأوقعت العديد من طلاب المدارس قتلى دون أن يرف له جفن.

وكانت نتائجها الفعلية فراره بثياب النوم وترك عائلته خلفه في قصر بعبدا ولجوئه إلى السفارة الفرنسية عقب إبرام اتفاق الطائف وانتخاب الرئيس الراحل رينيه معوض رئيساً ثم بعد اغتياله وانتخاب الرئيس الراحل إلياس الهراوي خلفاً له، والوصول بتدخل دولي إلى اتفاق قضى بـ”ترحيل” عون من لبنان ونفيه إلى فرنسا.

ظاهرة مسيحية

الخطيئة الكبرى في مسيرة عون تأسيسه لما أسماه “تيار الإصلاح والتغيير” والذي سلّمه طوعاً إلى صهره باسيل، حيث لم يحقق هذا التيار ولو خطوة واحدة على صعيد مقاربة شعاره بالواقع، لا بل ارتكب ما لم يكن يخطر على بال

الحقيقة تقال إن عون تمكن خلال فترة تواجده في قصر بعبدا من تكوين هالة شعبية تحولت إلى ظاهرة كان سببها انتهاجه خطاباً شعبوياً من الدرجة الأولى إلى جانب تذمّر قسم لا يستهان به من القاعدة المسيحية التي ضاقت ذرعاً بتصرفات ميليشياوية كانت سائدة على معظم الأراضي اللبنانية أثناء الحرب الأهلية، غير أن هذه القاعدة التي رأت في عون “المخلص” سرعان ما وضعته إلى جانب باقي الطبقة السياسية التي انغمست في الفساد خصوصاً بعدما انكشفت تفاصيل التسوية التي أبرمها مع أركان نظام الوصاية السورية في لبنان أثناء ولاية الرئيس أميل لحود والتي أعادته إلى لبنان مسترجعاً جميع حقوقه المالية السابقة، ومندفعاً صوب راعيه الأول حزب الله وإبرام اتفاق “مار مخايل” الشهير معه.

منذ تلك العودة، سلك عون الطريق المعاكسة تماماً للمبادئ التي ظلّ ينادي بها، كما أن الحلف الوثيق الذي أبرمه مع حزب الله جعل الأخير بمثابة الذراع الأولى (والوحيدة حتى اليوم) في الدفاع عنه وعن موقعه الذي عطّل الدولة برمتها فترة عامين ونصف العام بغية انتخابه رئيساً للجمهورية.

ومنذ ذلك اليوم الذي يصفه اللبنانيون بالمشؤوم بدأ انهيار الدولة بجميع مؤسساتها، وكثرت هفوات عون وزلات لسانه إلى درجة أصبح معها محط انتقادات اللبنانيين على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يسلم من الانتقادات العلنية لمختلف الصحافيين والمحللين السياسيين الذين كانوا يدورون في فلكه وفلك حزب الله على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد وخصوصاً أن الطامح للوصول إلى بعبدا نجح في ذلك ورفع شعار “بي الكل” وهو الذي لم يعد خافياً على أحد بأنه ليس أباً سوى لطفل واحد مدلل هو جبران وتمتد أبوته ورعايته إلى كل من يوالي “وليه”.

عونيون أم باسيليون

سقطت مقولة “بي الكل” في مهدها، إذ أن وصول عون إلى الرئاسة جاء عبر “تسوية” أوصلت معه سعد الحريري رئيساً للحكومة، غير أن هذا الأخير وجد نفسه مكبلاً بمطالب باسيل وتحكمه بشؤون سياسة حكومته، فراح يعرقل كل ما له علاقة بشؤون تسيير الدولة من تعيينات مالية إدارية وقضائية، وصولاً إلى سلوكه طريقاً تخالف بالشكل والمضمون الطريق الطبيعية للبنان صوب محيطه العربي، فأزعج وأغضب كل الدول الصديقة والشقيقة خاصة الخليجية منها باصطفافه إلى جانب فريق “الممانعة” المتمثلة بإيران وسوريا، رامياً عرض البحر مشاعر وآمال غالبية اللبنانيين ومعرضاً أكثر من نصف مليون مواطن يعملون في هذه الدول لخطر فقدان أرزاقهم وطردهم من أعمالهم فيها. ثم جاءت حادثتان كادتا أن توديا البلاد إلى أتون الحرب الأهلية مجدداً في الشويفات وقبرشمون، حيث أن الزيارات الاستفزازية المناطقية التي كان يقوم بها باسيل، تسببت بحوادث إطلاق نار ذهب ضحيتها 3 شبان من المنطقة، فعوض أن يقوم “بي الكل” بالدور الطبيعي لاحتضان المصابين، انحاز كما كان متوقعاً إلى جانب “صهره” وعرقل التحقيقات القضائية بهدف “الانتقام” المبطن الذي يكنه تجاه الوزير شهيب متهماً إياه بتدبير محاول اغتيال باسيل. إضافة إلى تعطيله التشكيلات القضائية التي ردها من دون أن يمهرها بتوقيعه بعدما أصدرها مجلس القضاء الأعلى للمرة الأولى من دون تدخل سياسي، ليزيد من أزمة القضاء الذي يعاني من التدخلات السياسية المختلفة في أحكامه، كما أنه “ساير” صهره في جميع التعيينات الإدارية والمالية حيث “استولى” على معظم التعيينات في المراكز “الممنوحة” لأبناء الطوائف المسيحية، فكانت تصدر حكراً لصالح من تبقى من “العونيين” الذين أصبحوا “باسيليين”.

كارثة المرفأ

حلّـت كارثة مرفأ بيروت، فعوض أن يتحمل بشجاعة مسؤولية الإهمال، إن لم نقل انتهاك السيادة وتحميل إسرائيل مسؤولية انفجار العنبر رقم 12 في المرفأ، ظهر عون أمام وسائل الإعلام ليقول إنه بلا صلاحيات تخوله إصدار الأمر بنقل المحتويات الخطيرة من نترات الأمونيوم التي كانت مخزنة بعلمه وعلم المسؤولين الأمنيين الذين يرفعون إليه التقارير الأمنية اليومية، ورفض إجراء تحقيق دولي لأنه في قرارة نفسه يعلم أن “إهماله” سيفتضح أو على الأقل ستظهر الحقيقة جلية، لأن القضاء المحلي بمعظمه سيحاول طمس الحقيقة والثوابت السابقة دليل على ذلك.

وارتفعت مجدداً الأصوات التي تنادي بتحميل عون وحكومة حسان دياب مسؤولية الكارثة، فظهر المحامي الدولي وأستاذ القانون في جامعات باريس الدكتور شبلي ملاط على شاشات التلفزيون ليوجه أصابع الاتهام بحدة إلى عون مطالباً بتنحيته ومحاكمته، وكذلك فعل القاضي شكري صادر حين طالب باسم “الثورة” بتنحية عون لأنه كان يعلم ولا مجال ليتذرع بالنفي كما فعل يوماً الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله حين قال “لو كنت أعلم”.

وكان عون قبل أسبوع على الكارثة الفاجعة التي حلت بلبنان والذي أصبحت عاصمته بيروت وللمرة الأولى منذ عهد الفينيقيين من دون مرفأ، أعلن أنه سيسلّم خليفته بلداً أفضل مما استلمه، فكرت سبحة التعليقات الساخرة على الشكل التالي “في عهد عون القوي، طار الدولار”، “في عهد عون القوي، انقطعت الكهرباء”، “في عهد عون القوي، صرنا بلا بور (مرفأ)”.

وعقب الانفجار أعلن رفضه لقيام تحقيق دولي متذرعاً بأن ذلك ينتهك سيادة لبنان و”مش على عهدي بقبل تنتهك السيادة”، فرد المنتقدون معددين الانتهاكات اليومية للسيادة اللبنانية من قبل إسرائيل جواً، براً وبحراً إلى جانب التدخل الفاضح لإيران من خلال “حزب الله” في الشؤون الداخلية اللبنانية وصولاً إلى تدخل الرئيس الفرنسي، ولو أن خطوته مشكورة، بفرض شروط على لبنان لكي تقبل الدول المانحة مساعدته.

هذا غيض من فيض العهد القوي والرئيس القوي، هذا الشعار الذي رفعه عون وأنصاره والذي بدا جلياً أنه لم يجلب سوى الوبال على لبنان وأهله، وأصبح اللبنانيون يعدّون الأيام لنهاية هذه الولاية الكارثية التي لم يشهدوا مثلها في تاريخهم، واضعين كل آمالهم اليوم في أن تصدق نوايا الدول العربية والعالمية في مساعدة لبنان على الخلاص من أزماته المتعددة وأولها عهد عون وصهره، مرددين المقولة الشهيرة: إذا غضب الله على قوم جعل صيفهم شتاء وشتاءهم صيفاً، لكن بلسان حالهم: غضب الله على اللبنانيين فأتى لهم بميشال عون رئيساً.