//Put this in the section

اللبناني، يركع ليصلّي وينهض أقوى مما كان!! – كاتيا سعد – باريس

لطالما شعرت بفخر كوني لبنانية، حتى في غربتي لم أتخلى عن هويتي يوماً.. نحن اللبنانيون المغتربون، لا نخجل القول بأننا من لبنان قبل أو بعد ذكر الجنسية الثانية، التي حصلنا عليها. لم ولن تدفعني أيّ “خبطة” تطال لبنان، أن أتراجع عن عشقي لوطني. وسأبقى على موقفي: “الحمدالله، لم أنتخب يوماً.. فأنا أؤمن بلبنان الوطن، ولا أعترف بلبنان السياسة”! نحن المغتربون، ما عدا أقلية، كلّما ابتعدنا عن لبنان، تمسّكنا به أكثر ؛ وكلّما خُدِش، ننتذكّر أننا منه نتعلّم الصمود وعدم الاستسلام!

بالأمس درست عن لبنان في كتب التاريخ ؛ قرأت عن لبنان في مختلف محركات البحث على الإنترنت ؛ شاهدت لبنان، وأنا أتنفّس هواءه في منزلي وشوارعه ؛ افتقدت لبنان في الخارج، لدرجة أنني كنت ألتقي به في بعض الأماكن التي تشبهه.. أما اليوم، فهمت ما معنى كلمة لبنان؟
لبنان هو الوطن الذي يركع فيه اللبناني، مهما كان دينه، كي يُصلّي، فينزع عنه ثقل حمولته وينهض أقوى مما كان عليه. وليس من أجل من الاستسلام بتاتاً!
لبنان هو الوطن الذي يُرشق فيه اللبناني بالحجارة، يحمل جرحه ويسعف من بجانبه، ولا يتراجع عن قضيته. لا يمكن شراء صمته أبداً!
لبنان هو الوطن الذي اعتاد أن يرتدي أجمل حلّة، في كل فصل من فصوله الأربعة. فيخلع عنه مشاكله وحزنه، ليستمتع بكل لحظة، فهو قد عانى لدرجة لم يعد يمتلك سوى التخطيط للحظة!
لبنان هو وطن 10452 كلم².. هو صغير بحجمه، ولكنه محطّ أنظار كل الدول. وكلما تصارعت بعض الدول بين بعضها البعض، لبنان “بيلحقوا طرطوشة”!
لبنان هو وطن lifestyle أو نمط الحياة، تعيش فيه أنماط حياة معظم دول العالم في عقلية أبنائه، في حركة شوارعه، في ارتداء أزيائه، في أجواء حياته الليلية.. ويبقى دمج كل جديد مع بيئته، سيّد الموقف!
لبنان هو الوطن الذي يسير به حكّامه عكس التيار، عكس التطوّر، وهو يصرّ للسير في الطريق الصحيح. كلّمنا ارتقينا، هدموا ما بنيناه، ولكن عزاؤنا عزيمتنا “اللي بسبع أرواح”!
لبنان هو “حب الحياة”.. كلما أبكوا شعبه، ابتلع الدمعة على طرف شفافه، وابتسم من جديد!
لبنان هو البلد الذي يمضي أبناؤه وقتهم يعانون المخاض في كل حلم، ويضطرون للإجهاض على يد نظام الحكم فيه. ولكنهم يستعينون بالطموح، ويجاهدون لتحقيقه!
لبنان هو الوطن الذي يزفّ المواطن بالتابوت والكفن، بقدر ما يزفّه في مناسبات اجتماعية. وذلك بسبب الاستهتار في مراقبة القوانين، والفلتان الأمني!
لبنان هو الوطن الذي “صدّر” من أبنائه الآلاف، وآخرون يتمنون ركوب أول طائرة. ولكن ثمة من لن ينتزع جذوره من أرضه، ويدعو الطبقة السياسية للرحيل!




لبنان هو هذه “الأيقونة” التي تتغنى بها دول الخارج. ونحن المغتربون تمكنا أن نتعرف إلى لبنان بعين الآخر، من غير مواطنيه. حتى هذه النظرة، لم تُخجِل حكّامنا على مدار عقود، من ممارساتهم “المشبوهة” في حق الوطن والمواطن.. هل تعرفون كيف يبدو لبنان بعين الخارج؟
هو بلد ال “!Hi, Kifak? Ca va”.. بمعنى آخر، بلد اللغات الثلاثة بالدرجة الأولى: العربية، الفرنسية والإنكليزية. إلى جانب اهتمام البعض بلغات أخرى إضافية!
هو بلد الانفتاح بتعدده الطائفي، الاجتماعي، الثقافي، الغذائي وحتى السياسي. ويقول لنا البعض: “بلدكم حلو، بس السياسة شو عم تعمل في؟”!
هو بلد حُفِرت “اللكنة اللبنانية” (اللهجة)، في عقل غالبية الأجانب. يكفي أن نتكلم بلغة بلد الاغتراب، مهما كان حسن اتقاننا لها، حتى يكون للبعض القدرة على القول: “عرفنا إنك من لبنان من ال accent – اللكنة”!
هو بلد يعاني الكثير من المآسي، ومع ذلك لا يفارق الشعب “حب الحياة”: تخلقون أجواء الفرح، على ركام الألم، تضحكون على المصيبة، تبتكرون النكات وروح الدعابة تتغلغل في كلامكم ومواقفكم!

لماذا كُتب علينا أن نكون شهوداً على سياسة، لا تلطف بشعبها؟ فكلما حاول النهوض، صفعته بل صعقته..
إلى متى سندفع ثمن حق الحياة، بدماء الضحايا؟ فهم بغالبيتهم يُقتلون برصاصة الاستهتار أو تفجير، وهم أبرياء..
كيف لنا أن نقبل “إنو يقتلوا القتيل ويمشوا بجنازتو”؟ فهذا ما يُفسّره القول:”ما منعرف شو في؟ ما منعرف شو صار؟”..
إلى متى سترافقنا هذه “اللعنة”، لعنة الألم والعذاب والقهر؟ سياسات تتوالى إما بالوراثة، أو بالواسطة “مين بيقرب مين، ومين فينا نستفيد منو؟”..

من قال لهم أننا نستمتع ونحن نرقص بأجسادنا، وأرواحنا تنعي وضع بلدنا؟ نحن في كل عائلة، نعيش سعادة ناقصة!
من قال لهم أن فرحة الشفاه، لا تكتمل إلا بدمعة العين؟ نحن في داخل كل شخص منا غصّة!

نحن صامدون، ولكن مناعتنا أصبحت ضعيفة. بات اللبناني يتنفّس ليس فقط لأنه يعيش، بل ليشهد على محاسبتكم. إن لم تصلكم حتى اليوم صدى صرخاته ؛ ولم تخدش كبرياؤكم تصرفات دول الخارج بسياستكم و”فقدانها الثقة” ؛ ولم يلطّخ دم الأبرياء الصغار والكبار، مناصبكم.. لم يبقى لنا سوى عدالة الله! فالله يُمهل ولا يُهمل! وما دامت المعجزات موجودة، فلربما ندخل التاريخ هذه المرة بمعجزة سياسية جماعية!!