//Put this in the section

مخاوف من مقايضة دولية مع إيران وحزب الله على حساب لبنان

لم يشهد عهد الرئيس ميشال عون حركة دبلوماسية عربية وإقليمية ودولية كتلك التي شهدها في الأيام القليلة الماضية بعد إلانفجار الضخم في بيروت. وهذه الحركة ليست فكّاً للعزلة السياسية التي كان يعيشها العهد وحكومته بسبب سياسات حزب الله بل هي تعبير عن تضامن مع الشعب اللبناني في محنته ونكبته.

وترافقت هذه الحركة مع مساع على المستوى السياسي حول مستقبل الوضع اللبناني وشكل الحكومة العتيدة. وجاء اتصال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالرئيس الإيراني حسن روحاني وعدم إستثنائه رئيس “كتلة الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد من لقاء رؤساء الأحزاب اللبنانية في قصر الصنوبر، خصوصاً بعد إنفجار بيروت الذي تحمّل شرائح لبنانية حزب الله المسؤولية عنه، ليعزّز فرضية أن تكون باريس تسعى للعب دور وسيط في الصراع الأمريكي الإيراني يقود إلى تسوية مرحلية للأزمة اللبنانية من دون معالجة الأسباب الحقيقية لها والمتمثّلة بسلاح حزب الله وهيمنته على الدولة اللبنانية والتوصل إلى حلول جذرية ونهائية تنهي هذه الأزمة.




وساهم مقرّبون من فريق 8 آذار في إشاعة أجواء كهذه في الايام القلية الماضية بأن الرئيس الفرنسي منفتح على إيران وحزب الله، ومن الممكن توسيع نفوذ الحزب في الداخل اللبناني مقابل تقديمه تنازلات في الإقليم كعودته من ساحات القتال في سوريا والعراق واليمن وموافقته على ترسيم الحدود البرية والبحرية مع إسرائيل بما يُرضي الأمريكيين والدولة العبرية.

وقد وصلت مثل هذه الأجواء إلى بكركي التي تقصّت حقيقة الأنباء عن احتمال حصول تفاهم دولي مع إيران يشمل تنازلات إيرانية في العراق وتفاهماً في سوريا يقضي بإبعاد الوجود الإيراني عن جبهة الجولان إرضاء لاسرائيل. ومقابل ذلك تبقى إيران ومعها حزب الله محافظين على أوراقهما في لبنان كآخر معقل نفوذ، بمعنى أن يبقى حزب الله متحكّماً باللعبة الداخلية ومنصرفاً عن الجبهة في الجنوب.

من هنا، وعلى الرغم من العلاقة التاريخية التي تربط بين فرنسا والموارنة، صدر تحذير مبكّر من الكنيسة المارونية المؤسِسة للكيان اللبناني حول ما بلغها من معلومات، ونبّهت ضمناً من حصول أي مقايضة دولية كهذه مع إيران وحزب الله. وبدا البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي المتمسك بطرح حياد لبنان وفكّ الحصار عن الشرعية وتطبيق القرارات الدولية، يترقّب ما يُطبَخ في مطابخ الدول، وبدأ يرفع الصوت ويراقب نتيجة هذه المساعي ليتخذ الموقف المناسب في حال لمس أن هناك أشياء تُطبَخ ليست لصالح لبنان بل لصالح بعض السياسيين والفئات. وحذّر سيّد بكركي من أنه لن يتوانى عن مواجهة أي مشروع ليس لصالح لبنان ورفضه والنضال ضدّه ومحاربته.

وفي ضوء موقف بكركي التحذيري، تبلّغ معنيون من مصادر لبنانية في واشنطن أن ماكينة حزب الله هي التي تقف وراء بث أخبار وروايات عن اتفاقات ملفّقة بينها وجود اتفاق في مراحله الأخيرة سيكون لبنان ضحيته، وأن الموقف الفرنسي متطابق إلى حدٍ كبير مع الموقف الأمريكي وعلى اللبنانيين عدم تصديق مثل هذه الروايات. ولو كانت هناك تسويات مع إيران لما صدرت رسائل التهويل من محور الممانعة، ولما رأى وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في قدوم بوارج حربية أمريكية وفرنسية إلى شواطئ بيروت تهديداً للبنان ومقاومته، ولما صعّد الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله لهجته ولوّح بسيناريو شبيه بـ 7 أيار/مايو من خلال دعوته مناصريه “إلى الحفاظ على غضبهم وغيظهم لأننا قد نحتاجه يوماً لانهاء محاولات جرّ لبنان إلى حرب أهلية”.

واللافت وسط كل ذلك، أن جولة مساعد وزير الخارجية الأمريكية دايفيد هيل التي شملت بكركي، إستتبعت بتلاوة بيان مكتوب سلفاً من على منبرها وليس من قصر بعبدا ، وكأن المقصود إيصال رسالة أن المرجعية المارونية التي تعبّر عن حقيقة التطلعات المسيحية هي البطريركية وليس رئاسة الجمهورية المتحالفة مع حزب الله.

وكان تحذير بكركي ترافق مع أصوات في البيئة المسيحية ترفض بالمطلق أي تسوية من هذا النوع. وتعتبر أوساط مسيحية أن ما بعد انفجار 4 آب/أغسطس يجب ألا يكون كما قبله، ويجب ألا يُكافأ حزب الله على ما ألحقه بلبنان وأهله وبشعوب الدول العربية مقابل تسويات من تحت الطاولة. وترى هذه الأوساط أن حزب الله لم يتورّع عن إذية لبنان بسياساته التي لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح الوطن العليا ومصالح بقية اللبنانيين الذين لا يوافقونه على حروبه وتدخّلاته في شؤون الدول العربية وغير العربية.

وفي رأي هذه الأوساط أن أي تغيير على مستوى السلطة في لبنان يتناقض مع التضحيات التي قدّمها آلاف الشهداء للحفاظ على وجه لبنان الحضاري والتعددي لن تقبل به. ومن غير الجائز أن تكون عودة حزب الله من ساحات القتال في الخارج إلى لبنان على حساب المكوّنات اللبنانية الأخرى، ويجب ألا يدفع لبنان ثمن أي تسوية في المنطقة، بل يجب أن تكون عودة حزب الله إلى كنف الدولة من دون اي سلاح ومن دون اي مقايضة.

وفي اعتقاد الاوساط المسيحية ذاتها أن التغيير المطلوب بعد زلزال الانفجار في مرفأ بيروت يجب ألا يقتصر فقط على استقالة حكومة حسان دياب وبقاء المنظومة السياسية التي كانت تقف وراء هذه الحكومة على حالها. فالمطلوب بعد الكارثة الإنسانية والاقتصادية هو تغيير كبير لا يستثني أحداً من أركان السلطة، ولذلك يستعد حزب القوات اللبنانية عبر “تكتل الجمهورية القوية” إلى توقيع عريضة نيابية بدءاً من يوم غد الاثنين تطالب بتقصير ولاية البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة. وهو ما أثار حفيظة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي اتهم قوى سياسية بمخطط لإسقاط الدولة.

وجاء تحرّك القوات اللبنانية معطوفاً على عودة نبض الثورة إلى الشارع، فالشعب ليس في وارد القبول بإستقالة حكومة لم يكن لها أي شأن ولا تمثّل شيئاً، بل يتطلّع إلى محاكمة طبقة سياسية ارتكبت منذ وصولها إلى السلطة ما يضاهي ما ارتكبته مجموعة من السياسيين على مدى 30 عاماً. وأفظع هذه الارتكابات خضوع الدولة للدويلة والانقلاب على الثوابت الوطنية وعلاقة لبنان بمحيطه العربي وخرق مبدأ النأي بالنفس ووضع اليد على المعابر البرية والبحرية والجوية، وهذه أمور تتجاوز بخطورتها ما اقترفه البعض من فساد.

القدس العربي