//Put this in the section

هل يختلف عالم ما بعد مجزرة 4 آب عن الذي سبقه؟

سركيس نعوم – النهار

.فكرة الاستقالة من مجلس النواب ليست جديدة. إذ أنها كانت تُطرح من أعضاء فيه بعضهم مستقل عن الأحزاب والتيارات وبعضهم حزبي كلما ازداد سوء الأوضاع في البلاد والخوف من الوقوع في انهيار اقتصادي – مالي – مصرفي – نقدي وحتى أمني. لكنها لم تكن جديّة إلا ربما عند نواب حزب الكتائب الذين لا يتجاوز عددهم الثلاثة أو الأربعة والذين كانوا ينتظرون الفرصة المبرِّرة جدياً لترجمتها عملياً. مجزرة بيروت (هيروشيما العربية) ومرفئها يوم الثلثاء الأسبق أعطتهم هذا المبرِّر فاستقالوا ومعهم النواب مروان حمادة الذي كان سبّاقاً وهنري حلو وبولا يعقوبيان. وفعلَ مثلهم النائب نعمت فرام الذي قدَّم استقالة شفهية كانت عملياً تعليقاً لنيابته علماً أنه ليس قانونياً ولا مفاعيل له على الاطلاق، اللهم باستثناء الاحتفاظ بمحبة الناس والناخبين وبطريقٍ مفتوحة أمام طموحات سياسية مستقبلية. طبعاً جاءت استقالة الحكومة تحت ضغط الشوارع اللبنانية الناقمة على الطبقة السياسية “المتأصِّل” فساد غالبيتها الساحقة لتريح عدداً قليلاً من نواب غير متورّطين في الفساد وهمّهم وطني انطلاقاً من اقتناع بأن الاحتفاظ بالعضوية النيابية يمكّنهم من متابعة رفض كل المشروعات والخطط التي تخدم المصالح الخاصة والفئوية. كما لتريح فئات سياسية وحزبية معارضة للغالبية النيابية اقتناعاً منها بأن الاستقالة لن تخلق فراغاً في السلطة التشريعية، وبأن استمرار عضوية نوابها فيها يمكّنها من معرفة ما يجري ومن مواجهته من داخلها، كما من تعبئة الشوارع الموالية لها من أجل التصدّي في الشارع ولا سيما بعد فقدان الناس من كل الطوائف والمذاهب الثقة بمرجعياتهم الرسمية والحزبية والدينية والسياسية والأمنية. علماً أن شبهة الفساد أو تهمته تجمع والى حد بعيد فريق الغالبية النيابية كما فريق الأقلية و”ممثليهما” في المؤسسات الدستورية والإدارية والأمنية والاقتصادية و… طبعاً لا يعني ذلك أن فكرة الاستقالة من مجلس النواب قد طُويت فالناس المصابون من زمان بالجوع والفقر والحرمان والترهيب والذين أصابتهم مجزرة بيروت ومرفئها مرةً جديدة بالقتل والدمار وخسارة فلذات الأكباد والأرواح ومعيليها لا يزالون في الشارع يومياً، يساندهم في ذلك النواب الذين استقالوا خطياً أي رسمياً. لكنها مبدئياً غير محتملة أقله في الوقت الراهن إلا طبعاً إذا ضربت الناس مجزرة دموية ثانية أياً يكن مرتكبوها، وأطاحت بكل الانتماءات التي عطّلت الإجهاز على الدولة الفاسدة والفاشلة من زمان أي منذ سنوات وربما عقود. ولن يخافوا في حال كهذه من تعرّض دمائهم “الى السفك” إذ أنها استُبيحت من زمان أي منذ 45 سنة ولا تزال وخصوصاً من ورثة زعامات قديمة ومن أحزابٍ وتيارات وزعامات أحدَث منها، الأمر الذي جعل كثيرين يشبّهونهم بـ”دراكولا” الذي لا يعيش إلّا على الدم. طبعاً الإطاحة بمجلس النواب تحتاج الى استقالة 51 في المئة من أعضائه. لكن هناك وضعاً آخر يطيحه هو استقالة كل ممثلي طائفة أو مذهب فيه باعتبار أن “الميثاقية” لم تعد محترمة. وهي الذريعة التي استخدمها كل المذكورين أعلاه للقبض على البلاد وإفلاسها وتقاسمها ونهبها وتدميرها. والجميع يعرفون حرص رئيس مجلس النواب على الميثاقية رغم أنها تُستعمل ذريعة وفي غير موضعها. ذلك أن حمايتها واحترامها لا يتناقضان مع الدستور والقوانين والدولة العادلة. ولا بد في هذا المجال من الإشارة الى أن الفكرة الأخيرة هذه طرحها زميل إعلامي من على شاشة تلفزيونية قبل أيام قليلة. في أي حال لا بد من الانطلاق من النظري الى العملي في موضوع الوضع الحكومي بعد استقالة حسان دياب، كما في موضوع الاستقالة من مجلس النواب وتأليف حكومة جديدة. في هذا المجال يمكن القول أن “التيار الوطني الحر” لن يستقيل نوّابه إلّا إذا استقال مؤسّسه من رئاسة الجمهورية وهذا أمرٌ مستحيل على ما تظن غالبية اللبنانيين وإن حزب “القوات اللبنانية” لن يستقيل نوّابه رغم أن كُتُب استقالاتهم في جيوبهم كما قال رئيسه سمير جعجع، لأنه مقتنع بأن المواجهة من داخل مجلس النواب مع الغالبية وبالتعاون الوثيق مع حلفائه داخله مفيدة ومنتجة رغم الخلافات التي تبعدهم عن بعضهم أحياناً. والحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط لن يستقيل نوابه من مجلسهم رغم استقالتَيْ مروان حمادة وهنري حلو فاستقالة الأول مبرّرة وهو الشهيد الحي الذي عانى كثيراً وربما الذي لم يعد قادراً في “هذا العمر” أطال الله عمره على تحمّل الدم والخزعبلات السياسية والمواقف المتلوّنة و… أما حلو الآدمي فلا أعرف دوافع استقالته لكن لا بد أن تكون لها صلة بغضب الناس جرّاء مجزرة بيروت ومرفئها. وفي رأي جنبلاط أن الاستقالة لا تقود الى أي مكان، وأن المشكلة تكمن في رأس البلاد، لكن الذين عطّلوا البلاد سنتين وثمانية أشهر ليوصلوه الى قصر بعبدا لا يريدون التخلّي عنه. فضلاً عن أن هناك مشكلة في قانون الانتخاب الذي يتمسّك هؤلاء ومن معهم به ويرفضون وضع قانون جديد ينتج تمثيلاً أكثر صدقاً للبنانيين. لذلك فإن الدعوة الى انتخابات مبكرة ومع الاحترام لمطلقيها لا تفيد، إذ أنها ستتم وفق القانون الحالي الذي أنتج مجلساً أكثر طائفية ومذهبية من مجالس القوانين السابقة.




هل ستؤلّف حكومة جديدة سريعاً وقبل عودة الرئيس الفرنسي ماكرون الى لبنان في “ذكرى” وليس “احتفال” مئوية لبنان الكبير في شهر أيلول المقبل؟ ومن سيكون رئيسها وأعضاؤها؟ ترجّح مصادر غربية بعضها أميركي واسعة الاطلاع أن تكون مرحلة تصريف حكومة دياب الأعمال طويلة. هذا أمرٌ كان دائماً يتحدّث عنه داعموه أو بالأحرى الذين أدخلوه نادي رؤساء الحكومة في لبنان، رغم المبادرة الفرنسية الأخيرة المؤيَّدة أميركياً. طبعاً طرحت وسائل الإعلام فور الاستقالة اسمَيْ المحامي والقاضي والدكتور والسفير السابق في الأمم المتحدة نوّاف سلام والرئيس السابق لحكومات أربع سعد الحريري. لكن وفي ظلّ الخلاف الداخلي الكبير بين فريق 8 آذار المتماسك بقيادة “حزب الله” وفريق 14 آذار المجتمع على مبادئ وسياسات داخلية – إقليمية – دولية والمختلف على تفاصيل ومصالح، كما في ظل العداء المطلق للأول لأميركا والغرب عموماً، لا يتوقّع كثيرون تخلّيه عن الرفض الذي واجه به قبل حكومة دياب ترشيح سلام لتأليفها. وهذا سبب رفض سلام الخوض في هذا الأمر إعلامياً رغم شطارته بالكولسة، ورغم تأييد الدول العربية الكبيرة والمؤثّرة له. أما الحريري فيرفض الخوض في هذا الموضوع لكنه قد لا يمانع في ترأس حكومة جديدة رغم أن أمامه عقبات عدّة. واحدة هي أنه جزء من الطبقة السياسية المخترقة للطوائف والمذاهب التي يطالب الناس المصابون منذ سنوات والمتفاقمة إصابتهم بعد مجزرة بيروت ومرفئها بمحاسبتها. وهؤلاء لا يرضون به خشية تكراره فشله والآخرين أكثر من مرة. وثانية قد تكون وصول المجتمعَيْن العربي والدولي اللذين طالما أولياه الثقة وأمدّاه بالمساعدة والعون الى اقتناع بأنه لن ينجح في إنجاز الإصلاح المطلوب من حكومة يترأسها. وثالثة هي من يستطيع عملياً وفعلياً الحصول على دعم سياسي؟ طبعاً يفكّر كثيرون في حكومة تكنوقراط حيادية بكل ما للكلمة من معنى. لكن الغالبية و”رأسها” يرفضان ذلك ويعرفان أن قبول تكليف سلام هو مقدمة لهذا الأمر كما أن طرح اسم الحريري في وسائل الإعلام بعلمه كما بعلم “أعدائه” الذين يريدون عودته يوحي أنه مرشح جدّي. لكن التساؤل الذي يمر في الرؤوس هو: إذا كانت هذه هي الحقيقة فكيف يُحتمل أن يكون الحريري “الخامس” في السراي الحكومي إذا جاز التعبير أكثر فعالية مما كان عليه في حكوماته الأربعة. لكن الجواب عنه عند المصادر الغربية التي بعضها أميركي هو أنه قد يتجرّأ ويقبل تأليف حكومة أو محاولة تأليفها ربما لأن الطبقة السياسية الفاسدة والمكروهة من غالبية اللبنانيين لم تغرق بالكامل بعد، ولم تعترف بأن عالم ما بعد مجزرة 4 آب ليس كالعالم الذي سبقه. ولعل ما أقدم عليه حرّاسه (الحريري) عند تفقّده المرفأ بعد المجزرة من ضربٍ لمواطنين متظاهرين في ساحة الشهداء يدلّ على ذلك وتختم المصادر بالقول “يا إلهي سيكون المشهد مخيفاً”.