//Put this in the section

بيروت عورتُنا – حسن أوريد – القدس العربي

إلا لبنان، البلد الذي اكتوى بحرب أهلية مدمرة، واستطاع أن يلملم جراحه في مرتفعات الطائف، في اتفاق أبقى على ما كان، لأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، يغور مرة أخرى في السديم. أخذ البلد بعد اتفاق الطائف يُضمّد جراحه ويعيد بناءه، ويتصالح مع مبادئ العيش المشترك، بطوائفه وقواه الموازية والتدخلات الأجنبية، هو الذي كان نموذجا في التعايش والتسامح. لم يكن هناك بديل عن العقد المؤسس للبنان، مثلما يقول المؤرخ كمال صليبي، في كتابه المرجعي «البيت اللبناني».

ثم اهتز لبنان جراء مقتل رئيس الوزراء رفيق الحريري سنة 2005، وتعرض لعدوان إسرائيل سنة 2006، لكن حصانة لبنان تغلبت على الجرح والأذى. ثم ما لبث لبنان أن انتفض في صحوة قبل سنة ضد الطائفية، وضد العقد المؤسس لكيان يتجاوز التمايز العقدي والطائفي، من أجل شيء أسمى، من أجل لبنان لكل اللبنانيين، لعُروة تجُبّ كل الانتماءات في بوتقة ينصهر فيها الجميع، وليس سلة تضم مكونات تتعايش ولا تتفاعل بالضرورة. كان البلد الأكثر حداثة في مظاهر الحياة الاجتماعية في العالم العربي، يرسم الطريق نحو الحداثة السياسية كي تنوب المواطنة عن الطائفية.




لكن ما كل بارقة تجود بغيثها، كما يقول المثل العربي، كل البوارق في العالم العربي تُضحي هجيرا، وتتحول إلى إعصار. ما أن تبدّى الأمل في بلد الأرز، حتى غار في أزمة اقتصادية وسياسية عطّلت مرافقه، وشلّت اقتصاده، إلى أن عصفت فاجعة مرفأ بيروت بكل شيء، وبعثرت كل شيء، وقلبت كل شيء رأسا على عقب. هل يمكن للعقد الاجتماعي المؤسس أن يثبت بعد الذي حصل؟ أو الميثاق السياسي الناظم حسب تعبير الرئيس الفرنسي ماكرون. أليس هناك علاقة بين شلل مرافق الدولة والبنية الطائفية؟ ألا يرتبط الفساد بالطبيعة الطائفية، أو المحاصصة كما في أرجاء أخرى. كل نظام طائفي مثلما تُظهر التجربة والدراسة يؤول إلى فساد.. الولاء ليس للوطن، ولكن للطائفة، والعلاقة ليس المواطنة ولكن الزبونية وما يرتبط بها من تقديم خيرات ومقابل.

قيل الكثير، وكُتب الكثير عن فاجعة بيروت ومأساة لبنان، وما قيل لا يشفي الغليل. هناك بكل تأكيد قضايا تخص لبنان، لا يسوغ لأحد الخوض فيها عدا اللبنانيين، ومنها تحديد عقد اجتماعي جديد، أو ميثاق وطني، ولكن هناك قضايا تتجاوز لبنان، لها انعكاسات على المحيط القريب والبعيد، مثلما أن هناك أسئلة متشابكة تهم العالم العربي بدرجات متفاوتة. مَن وراء الفاجعة؟

وهو السؤال الجوهري، ولا يهم لبنان وحده. عناصر الجواب محدِّدة للتطورات الممكنة في لبنان والمنطقة، ولكن هل سنعلم الحقيقة؟ القوى الكبرى تعلم، ومن شأنها أن تعلم، ولا أظن أنها ستسفر عن نتائج ما تعلم. تبقى أسئلة أخرى ملحة لا تهم لبنان وحده، وهو تعثر بنية الدولة في العالم العربي، حالة الفشل التي تهيمن على مؤسسات الدولة هو الخلل الذي تنفذ منه كل عناصر الجنوح، من عنف وإرهاب وبلطجة ومافيات، لذلك ما حدث في لبنان ليس حالة معزولة، ولكنه يحيل إلى ظاهرة يمكن أن تقع في أي بلد من بلدان العالم العربي بأشكال مغايرة، بل وقعت حين استولى تنظيم إرهابي على مساحة كبيرة من دولة العراق وسوريا، وهو يتكرر يوميا في ليبيا، ويتوعد تجربة تونس الديمقراطية الفتية، ويقضم من سيادة العراق، ويتهدد كل بلد من العالم العربي في وحدته الجغرافية والبشرية.

بنية ما بعد الاستعمار ما تزال جاثمة، ولم يتم تجاوزها لا في الشرق الأوسط، ولا في شمال افريقيا. والأدهى والأمَر هو الشرعية التي أصبحت تحاط بها تلك البنية.. مثير حقا مطالبة لبنانيين بعودة الانتداب الفرنسي إلى لبنان. فشل الدولة الوطنية، وفشل المنظومة العربية هو ما يمنح الشرعية لدعوات عودة الاستعمار، لكن الاستعمار الجديد ليس حلا، عيوبه أكبر من مزاياه، وإن كان يمكن أن يمنح التغطية الأمنية، ونقل التقنية، والبنيات المتطورة، والربط بـ»المتربول» والانغمار في التوزيع العالمي للإنتاج، لكن النتاج المادي يدجن الديناميات الداخلية، ويؤجج الاختلافات السياسية والثقافية، ويفضي بها إلى توتر، بل إلى تصدع مجتمعي، وأبارتايد فعلي، ويضحى وصفة للحرب الأهلية. المسألة ليست رجما بالغيب، بل هو واقع حدث ويمكن أن يحدث.

نعم، المنظومة العربية أخفقت، سواء من خلال جامعة الدول العربية، أو التنظيمات الإقليمية، التي أضحت أجسادا من غير روح، فهل يكون البديل التأرجح بين مظلات كل من طهران وأنقرة وباريس؟ قرن من الصراع، خاضه العالم العربي من أجل لا شيء، كما يقول غسان تويني في كتاب يحمل العنوان ذاته (بالفرنسية، مع جيرار خوري وجان لاكوتير). عالم كان يُنظر إليه كقوة ثقافية كبرى في باندونغ إلى جانب الصين والهند. حتى أمريكا اللاتينية لم تكن تنازعه الصورة الإيجابية التي كانت تقترن به، ويغض منه أن يُقارَن بإيران أو تركيا، إلى أن أضحى كما وضع الأيتام على مأدبة اللئام. تتعرض مصر للتعطيش، إي للقتل البطيء، ويتم التحلل من القضية الفلسطينية، ويضحى العالم العربي ساحة مُشْرَعة لمناطق نفوذ كما في العهود الاستعمارية، ولا يُنظر إليه إلا من زاوية موارده، المالية والطبيعية، حين تكون، أو لدرء خطر الإرهاب، وليس كشريك البتة.

ربما قد يسعفنا تاريخ أمم أخرى، إن كنا عاجزين عن أن نفكك واقعا معقدا، ونتجاوز تناقضات الحاضر، ونبني تصورا للمستقبل. عرفت أوروبا قبل ثلاثة قرون حروبا أهلية، ذات طبيعة دينية وقومية، واجتمعت حكوماتها في ويستفاليا سنة 1648 كي ترسي معالم نظام جديد، تشكلت منه الدولة، والقواعد الناظمة للعلاقات بين الدول، ومنها حل النزاعات بالطرق السلمية.

العالم العربي كيكان أصبح هيكلا منخورا، ودوله تتخللها تباينات جهورية وطائفية وإثنية وعقدية، فضلا عن الأزمة الاقتصادية، والبيئة، وكلها عوامل تهدده في وجوده… فهل يصحو؟ هل توقظه فرقعات مرفأ لبنان؟ هل يصوغ ويستفاليا عربية تنهي التناحر القائم ، وتقيم عقد التعايش، وترسي سبل حل النزاعات بالطرق السلمية. يتلجلج في صدري البيت الشعري:
لقد أسمعت من كان حيا ولكن لا حياة لمن تنادي

ولكني لا أريد أن أستكين لمؤدى البيت. كشفت انفجار مرفأ بيروت عورة لبنان، وعورة العالم العربي. ولا بد من هبّة، ولا بد من يقظة، وإلا فالأسوأ بالمرصاد.