//Put this in the section

الصحافي يقول الحق، فيُلاحق.. والسياسي يُخطئ و”يسرح ويمرح”! كاتيا سعد – باريس

كلما أنهيت مقالاً، أتساءل: ماذا سأكتب في المقال المقبل؟ ومتى؟ إيماناً مني بأنّ ممارستي للصحافة المكتوبة هو عمل حرّ، وكل مقال يتطلّب أن يحتضن ضمن عناصره: الاستفزاز، إلى جانب معالجة ما يفرضه الواقع. ولكن “اسمالله بلبنان الأحداث بولدوزر وماشي”.

استوقفتني مؤخراً مداخلة زينة عكر عدرا، وزيرة الدفاع اللبنانية في الحكومة المستقيلة، تدعو فيها إلى ملاحقة الإعلاميين قضائياً، بالإضافة إلى وضع حدّ للحريات الإعلامية، قائلة: “هناك تطاول من قبل الإعلاميين، وتمادي في التجرؤ على هيبة الوزراء. ويجب أن نضع لهم حداً، من خلال الصلاحيات الممنوحة لوزارة الدفاع”. وارتكزت هنا على المادة القانونية رقم 11، التي تنص على حقّ الجيش في قمع الوسائل الإعلامية، في حالة الطوارئ.




صدق من قال: “الصحافة مهنة المتاعب”. لا يكفي ما يواجهه الصحافي في الميدان، خاصة في حالات الأزمات مهما كان نوعها أمنية، سياسية، صحية، وحتى اجتماعية ؛ بل هو مضطر للتفكير ألف مرة قبل ان يقول كلمته لأنه مع الأسف حرية التعبير تكون أحياناً شبه معدومة.
يا سيّدتي! ماذا تبقى لنا غير حقّ الكلمة؟ في بلد يلاحق الصحافي الذي يركض من هنا إلى هناك من أجل تغطية ميدانية، أو يجلس في مكتبه من أجل البحث عن المعلومة بدقة قبل أن يتوجه بها إلى المتلقي؟ وأكثر، يتحمّل في كثير من الأوقات الشتائم ؛ التعرّض اللفظي والجسدي أثناء تأدية واجبه المهني ؛ ويُتهم بالكذب في حين أنه قدّم المعلومة الموثوق بها ولكن لم تنال الرضا من الضيف المسؤول..

يلاحقون منشوراً للصحافي على صفحته الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعي (الفايسبوك، الانستغرام أو تويتر…)، وقد تصل الحال إلى الاستدعاء، في حين أنّ اعتداءات جمّة ومخالفات “متلتلة” (مكدّسة)، في مختلف المجالات، ترتكب منذ سنوات وعلى مدار حكومات من قبل المسؤولين سواء من أهل السلطة أو سواهم من الرأسماليين، في حقّ المواطن و”بتمرق ع السكت”: تُراقَب ولا يُحاسب عليها، تطفو علناً ولكن نغض النظر عنها.

يا سيّدتي! الإعلام هو السلطة الرابعة، جسر التواصل بين الواقع والمواطن. الإعلامي والصحافي هو عين الشعب: بصوته لا ينقل فقط ما يشاهد، وإنما أيضاً لديه بمثابة “توكيل” من الشعب للتحدث باسمه ومعاناته ومطالبه. بالتأكيد أتوجه بكلامي إلى الإعلامي والصحافي الحر والموضوعي، هو الذي يؤمن بمبادئ المهنة، ويتسلّح بأخلاقية عمله. هو لديه “قسم المهنة”، وإن لا يُقسم عليه عند التخرّج، فهو محفور في ضميره.

شهداء وضحايا يسقطون أثناء تأدية الواجب الصحافي، وآخرون يُضيّقون عليهم فضاءهم الحر والواسع. يعيش الصحافي – المهني – الحرّ قلقاً مزدوجاً على نفسه، وعلى أهله ؛ ويتحمّل مسؤولية مزدوجة في التقصي الدقيق لكل معلومة، ومن ثمّ نقلها إلى المواطن بكل شفافية وفي محاولة أيضاً لا إجابة عن استفساراته.

ولكن في لبنان، الرقابة لا ترحم كلمة الحق دائماً. فعلى الرغم من أنّ صوت غالبية الإعلاميين والصحافيين يعلو، ويصيب الحقيقة في الصميم، و”بفشّ خلق” الجمهور ؛ إلا أنه لا عجب أنّ المتلقّي يلتفت أحياناً إلى ما يُقال وينقل عبر الإعلام الخارجي.

أتساءل هنا: ماذا لو كانت المقابلة، التي وُصفت بالمواجهة، بين بيكي اندرسون، الإعلامية في تلفزيون CNN وجبران باسيل، وزير الخارجية اللبناني السابق ورئيس التيار الوطني الحر، بعد أيّام من إنفجار 4 آب 2020، هي مقابلة محلية مع إعلامي من لبنان؟

بالفمّ الملآن، والحزن يبين على وجهها، قالت له: “سيد باسيل، أنا دعوتك في برنامجي اليوم ليس لأنك تمثل غالبية اللبنانيين، بل لأنك في الحقيقة ليس كذلك. بالنسبة لملايين اللبنانيين أنت تمثل المحسوبية وفساد النخبة الحاكمة، التي تغرق هذا البلد في حفرة اليأس. دعوتك اليوم لأنك تمثل أكبر حزب في البرلمان، وله تأثير كبير داخل الحكومة”.

كل من ينطق بكلمة الحق من خلال القلم، الصوت، وحتى الصورة، هو خط أحمر!
سئمنا من الكذب والنفاق والخوف.. حرية التعبير حقّ مقدّس، فمتى سيتمّ تحريرها من قيودها؟!