//Put this in the section

“تشرنوبيل” لبنان ومستقبل حزب الله – وليد فارس – انديبندنت عربية

منذ الانفجار الذي أصاب بيروت في قلبها وهشّم نصف العاصمة، والعالم يحبس أنفاسه محاولاً أن يفهم ماذا حصل، من المسؤول، ماذا سيحصل في لبنان، ما هو موقف واشنطن، ولبنان ذاهب إلى أين؟

الانفجارالفظيع والخسائر الأفظع




منظر الانفجار بمرحلتيه مرعب إلى أبعد الحدود. فهو يشبه انفجاراً نووياً بضخامة سحاباته واختلاف أشكالها وألوانها. أما صوته الراعد البركاني لم تسمعه أذُنٌ في لبنان طوال الحروب التي عصفت بتلك البلاد التي فقدت استقرارها واستقلالها منذ الربع الأخير للقرن الماضي. الانفجار قتل أكثر من 150 شخصاً و جرح الآلاف، ولائحة الموت لا تزال على تصاعد، وصدم ملايين الناس في لبنان والعالم.

أما الخسائر المادية فشبيهة بالزلازل. مرفأ بيروت الذي يخدم لبنان والعالم العربي من سوريا إلى الخليج، دُمّر وخدماته انتهت. هذا بحد ذاته أم الخسارات الاقتصادية الحيوية. فاقتصاد لبنان الحديث قام على أساس التبادل التجاري بين العالم والعالم العربي. هذه المعادلة ضُربت الآن. ومعها شبكات العمل المترابطة فيها داخل لبنان. بل أكثر من ذلك فنصف المدينة أصيب بأضرار وخمسها تدمر وكأن حرب الـ15 عاماً ضربت بيروت من جديد، ولكن ببضعة دقائق قاتلة.

إذاً فالانفجار بالنسبة للبنانيين، وربما للعالم أجمع هو بمثابة “هيروشيما” مصغّرة ضربت إحدى العواصم الشرق أوسطية بعد 75 عاماً من “هيروشيما” الأضلية ولكن مسؤوليته على نمط “تشيرنوبيل”. السؤال هو: من هو المسؤول؟

المسؤول

الحكومة اللبنانية، كمظلة حامية سياسياً لحزب الله، أعلنت أنها ستحقق وتلاحق “المسؤولين المباشرين” عن “الأخطاء” بما معناه البيروقراطيين الذين يديرون المرفأ وبعض المؤسسات الحكومية. إلا أن السلطة في بيروت تهّربت من التحقيق مع القوة الأساسية المركزية التي تتحكم بالمرفأ استراتيجياً وعملانياً، أي الميليشيا التي تسيطر على المداخل عملياً والتي وضعت يدها على مستودعات، وتأتي بالحاويات وأقامت نقاط المراقبة، كل ذلك تحت “وُريقة” اسمها “المقاومة”، وهي عملياً ذراع لإيران. إذاً، فحزب الله هو كان ولا يزال اليد القابضة على المرفأ والمسؤول عن المواد الخطيرة بما فيها الكيماويات والبيولوجيات وغيرها. بالإضافة إلى الأسلحة المدِمرة وذخائرها.

حزب الله عسكّر مناطق واسعة من لبنان ونشر أسلحته التقليدية وغير التقليدية ووزع ميليشياته في المناطق والبلدات والمرافئ والمطارات، وشن هجومات إرهابية على المدنيين واغتال السياسيين والعسكريين وخطف وهدد، وأرسل قواته إلى سوريا والعراق واليمن وأماكن أخرى وانتشر في قارات عدة. وأكثر من ذلك، ان انفجار مواد في بيروت تحت مظلته الأمنية كانفجار لمواد مثيلة تحت سلطته في أي قاعدة له في أي مكان. الحزب ومحوره الاقليمي مسؤول عن “تشرنوبيل لبنان”.

سلطة حزب الله

الحكومة اللبنانية غطت حزب الله برفضها تحميله مسؤولية الانفجار، وإعلانها عن “مسؤولية إداريين” قبل أن تستقيل. وسارعت السلطة، وهي نفسها متحالفة مع الحزب منذ عام 2006، إلى رفض أي تحقيق دولي في الانفجار الذى حول نصف بيروت إلى مدينة منكوبة. المحور الإيراني أقفل المداخل إلى لبنان وأحكمها أمام التدخل الدولي. لماذا؟

لأنه إذا دخل الغرب من أية نافذة، حتى ولو كان الموضوع انسانياً أو قضائياً، فسوف يكشف لعبة حزب الله، وسيتحول أي وجود غربي، بنظر الحزب إلى جسور إنزال لقوة أكبر تكسر سيطرة إيران في لبنان. إذاً “الضاحية” ستمنع أي “تدخل” في المرفأ، المطار، العاصمة أو أي شبر من لبنان. حزب الله سيحارب أياً يكن على كل شبر من أراضي الجمهورية اللبنانية بنفس شراسة “الهتلريين” عندما قاتلوا عن مستعمراتهم خلال الحرب العالمية الثانية. حزب الله لن يقبل بقرار دولي ولا بالقرار 1559، ولا بالفصل السابع، ولا بالحياد ولا بوقف أي حرب ولا بأي سلام. فحزب الله يعتاش من الحروب، فاذا توقفت يذوب.

فرنسا وأميركا

مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبيروت تأمل اللبنانيون قليلاً وظنوا أن ثمن النكبة في بيروت هو تدخل فرنسي مدعوم من أميركا. الحقيقة أن ماكرون يمثل شعوراً فرنسياً تاريخياً تجاه لبنان واللبنانيين، وكان عليه أن يأتي إلى لبنان رمزياً. وصحيح أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب توافق مع ماكرون أن ينسقا سوية ولكن ضمن الحدود العملية الفرنسية. فواشنطن منهمكة بالانتخابات حتى نوفمبر (تشرين الثاني). ولن يقوم أحد بإرسال أساطيل إلى السواحل اللبنانية قبل حسم الرئاسة في أميركا.

البعض في لبنان يعوّل على الجيش اللبناني ليضع حداً للمأساة، خاصة وأن واشنطن ترسل مساعدات كبيرة إلى المؤسسة العسكرية. الواقع غير ذلك. فجيش ما بعد أكتوبر (تشرين الأول) عام 1990 الذي واجه قوات حافظ الأسد قد كُسر في معركة، ووُضع تحت أمرة سلطة حليفة للمحور لـ 30 عاماً. حتى ولو كانت هناك أي مشاعر داخل الجيش تحاكي الثورة، فلن يتحرك إلا إذا تدخل المجتمع الدولي ليخلّص الشعب من المأساة. وهذا ليس حاصلاً الآن من دون انفجار شعبي عارم، و لكن ضمن أجندة عقلانية. إذاً في نهاية المطاف، فالتحرك الشعبي في داخل لبنان وتعبئة الجاليات اللبنانية في الاغتراب، هو الورقة الأقوى في عملية إنقاذ البلاد بعد “تشرنوبيلها”.

فالتعبير عن إرادة شعبية إلى حد المقاومة السياسية لفرض حل الميليشيات، هو طريق صعب ومكلف، و لكنه أفضل من مورفين الانتخابات المبكرة وحكومات “الوحدة الوطنية” التي يركبها حزب الله. الخيار أمام اللبنانيين دراماتيكي، و لكنه لم يكن بهذا الوضوح.