//Put this in the section

بيروت التعب والذهب

صبحي حديدي – القدس العربي

لعلّ هذه السطور لا تبالغ إذا ابتدأت من افتراض يقول إنّ لمدينة بيروت دَيْناً من نوع ما – معرفياً كان أم فكرياً، سياسياً أم اجتماعياً أم إنسانياً بالمعنى الأعمّ… – في ذمة غالبية ساحقة من المشتغلين بالثقافة العربية؛ وذلك منذ العقود الأولى للقرن العشرين المنصرم، وحتى هذه الأيام. الأرجح أنّ النموذج الذي يشمله هذا التشخيص قد «لجأ» إلى بيروت، على نحو أو آخر، في مستويات الرمز والاستعارة والمخيال تارة، وفي معاني اللجوء الفعلي والسكنى والملاذ طوراً.




من جانبي، ولكي أسير خطوة إضافية في تبيان هذا الدَيْن البيروتيّ، الذاتيّ بالضرورة، والشخصي كما تستوجب الحال؛ أسجّل أنني لم أعرف بيروت إلا خلال زمن قصير للغاية، يُعدّ بالأيام وليس بالأشهر؛ وذلك حين اضطررت، أواسط الثمانينيات، إلى مغادرة بلدي سوريا سرّاً، لأسباب سياسية. وهكذا مررت ببيروت «الغربية»، ثمّ بيروت «الشرقية»، فمرفأ جونية، ثمّ عبر البحر إلى لارنكا في قبرص، وبعدها جوّاً إلى فرنسا. غير أنّ ما أعطتني إياه بيروت خلال تلك الأيام القليلة، من دون أن أطلب أو حتى قبل أن أرغب، كان ويظلّ على رأس أثقل الديون في ذمتي من حيث سخاء القيمة، وأغزرها دلالةً لجهة الحفر في الذاكرة، وأعمقها انغراساً في خرائط الوجدان.

خلال تلك الإقامة القصيرة لم أكن أتقرى في الشوارع فصحى سعيد عقل التي نُحتت من صخور الذرى في البلاغة العربية، أو معجزة فيروز المفتوحة على أربع رياح الروح، أو محترف راشانا حيث منحوتات ألفريد بصبوص تعيد تشكيل الجسد الإنساني وفق نَحْوٍ لغوي/ بصري إعجازي؛ فحسب. كنت كذلك، أفتش عن ظلّ بدر شاكر السياب، الذي سار هنا ذات يوم كليلاً مرهقاً؛ أو تبغ محمد الماغوط، إذْ دخّن بشراهة المنفيّ الميّت شوقاً إلى الشام وإلى باب توما؛ أو ناجي العلي، وهو يصعد طلعة جريدة «السفير» متثاقلاً، وحنظلة يرتسم بين أصابعه مرارةً ساخرة…

وبيروت ذُبحت مراراً، ثمّ قامت من الذبح مراراً أيضاً، لأنها كانت نسيج وحدها في صناعة هذا التعدد الإنساني والثقافي والسياسي، وفي تثمين قيمته، والاختصام حول حدود ما يتيحه من حرّية، ومدى ما يستثيره من اختلاف.

وكان طبيعياً أن تُذبح بيد جيرانها الأشقاء، قبل أبنائها وقبل الغرباء والأعداء في الواقع، لأنّ فيروس الديمقراطية التي أخذت المدينة السخية تنقله يمنة ويسرة، كان من نوع لا يملك كارهو الحرية علاجه إلا بالذبح. ولأنّ ذبحاً يُذكّر بذبح، أو يستدعيه ويستوجبه، فقد كانت المشاهد الأشدّ وحشية وبربرية وفاشية قد حُفظت كعلامة مسجّلة لدولة الاحتلال الإسرائيلي؛ وقبلها وبعدها لم يكن النظام السوري، وأجهزة حافظ الأسد ثمّ وريثه من بعده، سوى نسخة مكررة مع فوارق مقدّرة في أنساق الذبح.

وبيروت «صخرة كأنها وجه بحّار قديم»، كما تقول قصيدة جوزيف حرب في أغنية فيروز الشهيرة. وهي «من روح الشعب خمر»، و»من عرقه خبز وياسمين». ولهذا فإنّ أوّل عشقها يقتضي الذهاب معها بعيداً بعيداً، وحيثما تشاء بيروت، في إعلاء تعددية الصخرة. كذلك يستوجب عشقُها أن يقاتل عاشقها في سبيل أن لا تظلّ بيروت ساحة تصفيات حساب بين الوحوش، وأن لا تحيلها القوى المستحكمة إلى مستوطنات مصالح ومنافع، أو أهراء نفوذ وأجندات، وأن لا يقلبها بعض أبنائها إلى ولايات طائفية ومذهبية، أو إلى مزارع فساد وإفساد!

وفي نظري ليس ثمة منجاة، من سيرورات التشويه والاستيهام هذه، أفضل من كتاب الشهيد سمير قصير «تاريخ بيروت»، الذي صدر في باريس سنة 2003 عن دار النشر الفرنسية فايار؛ والذي يحدث، أيضاً، أنه الأكثر تعبيراً عن مجمل مواهب قصير: الكاتب والمؤرخ والمثقف الملتزم، وذوّاقة الأدب أيضاً.

هنا مجلد ضخم في 732 صفحة، يحتوي على عشرات الصور والوثائق النادرة، ويتابع مدينة بيروت بمختلف مراحلها الزمنية، ومختلف جوانبها السياسية والاجتماعية والمعمارية والثقافية والتجارية وحتى المطبخية. وهنا كتاب بديع فريد في أكثر من اعتبار، لكنّ سمته الأساسية هي المزج البارع والذكيّ بين المعرفة العميقة والمتعة العالية، وتشويق سرد الحكاية التاريخية خصوصاً.

وللتمثيل على قفزات التطوّر التي أنجزتها المدينة، نتذكّر أنّ عدد سكانها كان، في نهاية القرن الثامن عشر، 4000 نسمة؛ بالقياس إلى سكان دمشق البالغين 100 ألف نسمة. مكانتها سوف تبدأ في البروز مطلع القرن التاسع عشر، حين قرّر إبراهيم باشا فتح الدولة أمام التأثير الأوروبي، فتحولت بيروت إلى رأس جسر لما يمكن تسميته «غَرْبَنة» الشرق. وبين الاستقلال سنة 1943 واندلاع الحرب الأهلية سنة 1975، شهدت بيروت عصرها الذهبي كمدينة نهضوية عصرية منفتحة ليبرالية، وعاصمة النشر والصحافة والحريات، وملجأ الساسة والمثقفين والمناضلين العرب الذين ضاق بهم الاستبداد العربي على اختلاف أنظمته وأنماطه.

وعن بيروت هذه يقول قصير، في عبارة آسرة: «هنالك مدن يغلب فيها الثابت على المتحوّل، امّا بيروت فهي المدينة التي ينحصر ثابتها في تحوّلها الدائم». وجه بحّار قديم، تكسرت عليه نصال التواريخ فتركت فيه شتى الندوب والأخاديد والوشوم، ولكنه ظلّ «شكل الروح في المرآة»، قُدّ «من تعب، ومن ذهب، وأندلس وشام»…