//Put this in the section

انفجار بيروت: اعتداء مدبّر أم لا؟

حدثت أمورٌ أكثر غرابة في لبنان. ولكن خلال الإغلاق الذي فُرِض أخيراً بسبب تفشي فيروس كورونا، وفي ساعة متقدّمة من الليل عندما كانت الشوارع فارغة ويُخيّم عليها هدوءٌ مخيف، سُمِع صوت أزيز غريب. وقد سارع عدد كبير من الأشخاص، وأنا منهم، إلى شرفات المنازل في وسط بيروت لمعرفة مصدر الصوت، لكننا لم نرَ شيئاً.

ليست الصوتيات في المنطقة السكنية في العاصمة اللبنانية بأفضل حال. فالمباني الشاهقة والبرّاقة ذات الواجهات الزجاجية، وبعضها يطلّ على مرفأ بيروت، تُضخّم الصوت وتتسبب بارتداد الموجات الصوتية وكأنها غرفة صدى تُرجّع أصواتاً متنافرة. ولذلك عندما هزّ انفجارٌ ضخم بحجم انفجار نووي الجادة الرئيسية والشوارع المحاذية لها الأسبوع الماضي، اعتقد كثرٌ منا أن قنبلة سقطت مباشرةً على رؤوسنا، ولم ندرك بدايةً أن بؤرة الانفجار هي في الواقع على بعد أكثر من ثلاثة كيلومترات.




اليوم، يبدو أن أصوات الأزيز المجهولة المصدر التي سُمِعت قبل بضعة أسابيع باتت موضع اهتمام أكبر. يصرّ مصدر أمني بارز على أنها “كانت طائرات مسيّرة”، مضيفاً: “نحن لا نملك مثل هذه المعدّات المخصصة للمراقبة الجوية”. ويسأل المصدر، إذا كانت طائرات مسيّرة تُستخدَم في المراقبة، فمَن هي الجهة التي أطلقتها؟ ولماذا حلّقت فوق منطقة وسط بيروت؟

يُشار إلى أنها المنطقة حيث يُقيم رئيس مجلس الوزراء السابق سعد الحريري الذي استقال من منصبه في أواخر العام الماضي مع اندلاع الانتفاضة الشعبية التي رفعت شعار إسقاط النخبة السياسية الفاسدة والمستهترة والفاقدة للصدقية التي يوجّه إليها عدد كبير من اللبنانيين انتقادات لاذعة. يسأل المصدر الأمني: “هل كانت جهةٌ ما تقوم بالمراقبة، ولماذا؟ أم هل كان ثمة أمر آخر يثير اهتمامها؟” يعلم الجميع في لبنان أنه كان يُرتقَب أن تُصدر المحكمة الخاصة بلبنان الأسبوع الماضي حكمها بحق عناصر “حزب الله” الأربعة المتّهمين باغتيال رفيق الحريري الذي تولّى رئاسة الوزراء خمس مرات، ولكن النطق بالحكم أرجئ بعد الانفجار المروّع. وكانت البلاد تتخوّف أصلاً من اضطرابات متوقَّعة بعد صدور الحكم.

لم يكن الصوت الذي يُشتبَه بأنه لطائرات مسيّرة الشيء الغريب الوحيد خلال الإغلاق الذي فرضه الوباء وعلى مدار أشهر عدة قبل ذلك. يقيم شاهد عيان ذو صدقية طلب عدم الكشف عن هويته حفاظاً على سلامته، في الطابق الخامس عشر في مبنى سكني حيث يمكن رؤية المرفأ بوضوح. لقد دُمِّر منزله في الانفجار. وهو يزعم أنه رأى شاحنات مجهولة تدخل المرفأ وتخرج منه في منتصف الليل، ويروي قائلاً: “لم أستطع أن أرى ما يفعلون. ولكن هذا الأمر تكرر ليلياً طوال ليالٍ عدّة، وكان عدد الشاحنات كبيراً”.

تتحدث نظريات مؤامرة يجري تداولها على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن هجومٍ جوّي ربما تسبب باندلاع حريق أدّى إلى وقوع انفجار أوّل أعقبه الانفجار الهائل الذي يوازي، من حيث قوته، سلاحاً نووياً تكتيكياً، وفقاً للخبراء. وفي حين أن الجزء الأكبر من الأدلة المتوافرة راهناً يُشير إلى الاستهتار وغياب الكفاءة نتيجةً للزبائنية والفساد، يتمسك لبنانيون كثر بروايتهم للأحداث انطلاقاً مما يعتقدون أنهم رأوه أو سمعوه قبل لحظات من الانفجار الكبير. يروي شاهد عيان طلب عدم الكشف عن هويته: “رأيت طائرات تتجه شمالاً، بعيداً من بيروت. وبعد ثوانٍ، سمعنا انفجاراً”. ويزعم مصدر عسكري سابق ذو صدقية طلب أيضاً عدم ذكر اسمه، أنه رأى طائرة تلقي بسلاحَين مجهولين على منطقة المرفأ. أضاف المصدر الذي يمكنه رؤية المرفأ بوضوح في ضوء النهار من أعلى تلة: “رأيت التفجيرات. لا شك لديّ في ذلك”.

قد تسقط المزاعم والروايات التي يتناقلها الأشخاص أمام التدقيق المفصّل في المحاكم، إنما ثمة أسباب أخرى للاشتباه في إمكانية أن يكون الانفجار عملاً مدبّراً، ومصدرها الكلام الذي ورد على لسان رئيس الجمهورية المأزوم ميشال عون الذي تحدّث عن احتمالَين اثنين وراء الانفجار، مشيراً في تغريدة عبر “تويتر” إلى أنه وقع “نتيجة إهمال أو تدخل خارجي بواسطة صاروخ أو قنبلة”. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد زعم بدايةً، من دون إثباتات مؤيِّدة لكلامه، أن انفجار بيروت هو “هجوم مريع”، ولكن وزير دفاعه مارك إسبر أدلى لاحقاً برأي مغاير.

حدّدت “مؤسسة الأمن والحرية الأميركية” (Foundation for American Security and Freedom) في الولايات المتحدة، لدى تدقيقها عن كثب في أشرطة الفيديو المتوافرة وغيرها من روايات الشهود العيان، أن مصدر الصوت الهادر القوي الذي يشبه صوت محرك الطائرات الحربية، كان داخل الحريق الأول، “ما قد يشير إلى اشتعال محركات صواريخ لا إلى طائرات تحلّق في الأعلى”، كما ورد في تقرير صادر عن المؤسسة. فضلاً عن ذلك، ألمح التقرير إلى اشتعال قذائف صاروخية وقذائف هاون وصواريخ من نوعٍ ما، وهذا السيناريو يطعن بالرواية التي ساقها كل من “حزب الله” والحكومة اللبنانية حتى الآن للأحداث، والتي أشارت إلى أن المفرقعات النارية هي التي تسببت باشتعال المواد المتفجّرة. يرد في تقرير المؤسسة التي أطلقها عام 2015 مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون الذي كان من الصقوريين المتشددين في الملف الإيراني في إدارة الرئيس ترامب قبل استقالته في أواخر العام الماضي: “بعد الانفجار الثاني بنحو 20 ثانية، تكثّفت النيران المتصاعدة تكثّفاً شديداً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الوهج الأبيض داخل المبنى وفوقه، ما يتطابق مع وجود متفجرات من العيار الصغير، مثل قذائف هاون وقذائف صاروخية”.

خلاصة القول، اعتبرت المؤسسة أن مادّة أشد تفجراً إلى حد كبير “تولّد دخاناً قذراً أبيض ورمادياً وصوتها أشبه بصوت محرك طائرة هادر، هي التي تسببت بالانفجار الثاني الذي لا نعرف شيئاً آخر عنه في هذه المرحلة لأن الحكومة تتمسك بشدّة برواية المفرقعات النارية”.

في حين يلقي عدد كبير من اللبنانيين باللائمة مباشرةً على رئيس الجمهورية وحكومته الحليفة لـ”حزب الله” والحكومات التي تعاقبت على إدارة البلاد في الأعوام الأخيرة، يشتبه آخرون في أنه ربما كان لعوامل أخرى دورٌ في هذا المجال ويشيرون بأصابع الاتهام إلى إسرائيل التي تحوم حولها الشبهات عادةً – وهي مزاعم غير مؤيَّدة بالقرائن وتواظب الدولة اليهودية على نفيها. قال ناشط سياسي مسيحي لبناني طلب أيضاً عدم الكشف عن هويته: “لا يهمّني مَن هي الجهة أو ما هو الشيء الذي ربما تسبب بالانفجار. فالحقيقة تبقى أن جبلاً من المواد الكيميائية القاتلة كان يُخزَّن على نحوٍ إجرامي في منطقة مأهولة”.

الأسبوع المنصرم، استمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بيروت إلى نداءات ملحّة وجّهها النشطاء والمجتمع المدني إلى فرنسا للتدخل ودعم المطالب اللبنانية باستقالة مجلس النواب ورئيسه الشيعي المستمر في منصبه منذ نحو 30 عاماً، واستبدال رئيس الجمهورية الماروني ميشال عون من خلال إجراء انتخابات حرّة ونزيهة. وقد علّقت سارة اليافي، وهي مستشارة في شؤون السياسات العامة: “لبنان محكوم من كيانَين: مافيا وميليشيا. حزب الله يتيح للمافيا امتلاك السلطة السياسية لإدارة الفساد، في حين أن المافيا السياسية تتيح لحزب الله في المقابل حكم البلاد لمصلحة إيران”.

تسلّمَ رئيس مجلس الوزراء حسان دياب استقالة عدد من الوزراء عقب الاحتجاجات العنيفة التي شهدها وسط بيروت خلال عطلة نهاية الأسبوع، وقد أعلن أنه سيبقى في منصبه لشهرَين إضافيين استعداداً لإجراء انتخابات نيابية مبكرة، غير أن عدداً كبيراً من المواطنين اللبنانيين لا يصدّقون أن ذلك سيتحقق.*

وعلى وقع أصوات الطلقات النارية وقنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي التي تطايرت في الشوارع المليئة بالركام المتناثر في كل مكان وبالحطام المحترق في وسط العاصمة، راحت القنوات التلفزيونة المحلية تبث روايات شهود عيان لناجين من الانفجار أو أقرباء للضحايا أطلّوا عبر الشاشات مع ضمادات على وجوههم.

فيما يبكي لبنان ضحاياه وتَلقى النداءات للحصول على مساعدات دولية آذاناً صاغية واستجابة، يعتبر عدد كبير من اللبنانيين أن الحلول الموقتة ليست كافية، فهم يريدون المساعدة من أجل إسقاط حكومتهم والطبقة الحاكمة برمتها.

بالطبع هذا ليس رأي الجميع في لبنان. يرفض الرئيس اللبناني من جهته إجراء تحقيق دولي لكشف ملابسات الانفجار، ويعتبره مضيعة للوقت. فالزعماء السياسيون المتجذرون في مواقعهم، والذين حكموا البلاد في إطار فسيفساء هشّة من المصالح المذهبية المتضاربة التي تسعى وراء تحقيق مكاسب مادية وتجنح أحياناً نحو العنف، يواجهون تهديداً وجودياً.

لعله السبب وراء رغبة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إرسال فريق من المحققين الجنائيين المتخصصين في الحرائق إلى بيروت التي تعاني من نقص شديد في الخبرات في هذا المجال. فلن تكون ثمة فرصة لمعرفة حقيقة ما جرى إلا من خلال تحقيق ميداني متعدد الاختصاص عبر الاستعانة بخبراء في علوم الحرائق والهندسة والكيمياء.

بعيد الانفجار الذي هزّ وسط بيروت وما خلّفه من دمار هائل، عرضت إسرائيل تقديم مساعدات طارئة في خطوة لم تبادر إليها في أيٍّ من نزاعاتها وحروبها السابقة مع لبنان خلال العقود الأربعة المنصرمة. وكذلك، نفى أمين عام “حزب الله”، حسن نصرالله، أن تكون لتنظيمه الإرهابي أي علاقة بالمواد التي انفجرت في المرفأ. ومع التقاء العدوَّين اللدودين في نفيهما القاطع لأي تورط في الانفجار الضخم، ربما يُضاعف ذلك الشكوك بأن ما خُفي أعظم.

كان حجم الأضرار كبيراً جداً بحيث إنه لن يرغب أحدٌ، سواءً كان عملاً عدوانياً متعمداً أم لا، في أن تُوجَّه إليه أصابع الاتهام أو يُحمَّل أي مسؤولية في التسبب بمأساة كهذه، ما يزيد من صعوبة التوصل إلى إثباتات وتحديد المسؤوليات.

* كُتِب المقال قبل استقالة الحكومة.

المصدر: النهار؛ الكاتب: برنت سادلر – مدير مكتب قناة “سي إن إن” في بيروت سابقاً- ترجمة نسرين ناضر