//Put this in the section

من لعنة حربي التحرير والإلغاء إلى زلزال بيروت: عهدٌ من النكبات والأزمات

سعد إلياس – القدس العربي

مرة جديدة، يعيش اللبنانيون أقسى النكبات في عهد الجنرال ميشال عون. المرة الأولى كانت بين عامي 1988 و1990 حيث عُيّن عون رئيساً للحكومة العسكرية واحتفظ حينها بقيادة الجيش اللبناني وبست وزارات. هذان العامان اللذان تسلّم فيهما عون المسؤولية يمكن تشبيههما بحرب السنتين، إذ أمضى طيلة فترة وجوده في قصر بعبدا بحروب مدمّرة. ففي 14 آذار/مارس 1989 أعلن عون “حرب التحرير” وفتح فوّهات المدافع نحو بيروت الغربية ومواقع الجيش السوري، واستمرت المعارك شهوراً إلى حين نفاد الذخيرة لدى قوى الجيش اللبناني التي كانت تأتمر بعون في تلك الفترة، فطلب مؤازرة القوات اللبنانية وشكّل غرفة عمليات مشتركة معها لتنسيق عمليات القصف وتولّي الدفاع عن الجبهات.




وفي31 كانون الثاني/يناير 1990 اندلعت حرب الإلغاء بين عون والقوات اللبنانية، ورفع عون شعاراً لهذه الحرب مخيّراً المسيحيين بين “الدولة والدويلة”. وقد اعتبرت حرب الإلغاء أشرس الحروب التي أنهكت ودمّرت المناطق المسيحية التي كانت تُسمّى بالمناطق الحرّة أو بالشرقية، وأضعفت هذه الحرب القوى المسيحية وتسبّبت بأكبر هجرة للمسيحيين للخارج وبسقوط آلاف الضحايا إما على الجبهات أو تحت الركام أو في البحر هرباً من جحيم النار.

وبحسب مواكبين لتلك المرحلة فإن الإسباب التي دفعت العماد عون إلى إعلان حرب التحرير كانت عدم رغبة سوريا بانتخابه رئيساً للجمهورية، بعدما كان فتح قناة اتصال مع وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس أفضت إلى صفقة تقضي بدعم سوريا ترشيحه إلى الرئاسة الأولى مقابل إبداء عون قدرته على ضرب معارضي سوريا وفي طليعتهم القوات اللبنانية. وقد عبّر قائد الجيش حينها عن حسن نية من خلال إنزال الجيش في 4 ايار/مايو 1988 إلى شوارع المنطقة الشرقية واعتقال عدد من كوادر القوات اللبنانية. وكان عون من خلال النائب البير منصور والمحامي فايز قزي يبعث برسائل إلى دمشق، لكن حلمه بالوصول إلى الرئاسة تبخّر بعد تزكية اسم النائب مخايل الضاهر ووعده بأن يكون وزيراً للدفاع.

وخلال حرب التحرير قال عون الذي سئل عن تداعيات الحرب على العاصمة “بيروت دّمرت 8 مرات فما الذي يمنع أن تُدمّر مرة تاسعة؟”! وانتهت تلك الحرب التي نالت فيها المناطق المسيحية نصيباً كبيراً من الصواريخ والقذائف السورية بإقرار اتفاق الطائف الذي رفضه عون، وأطلق حينها عبارته الشهيرة “يستطيع العالم أن يسحقني لكنه لا يستطيع أن يأخذ توقيعي” وبقي عون في بعبدا واتهم البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير والقوات اللبنانية بتوفير الغطاء المسيحي لاتفاق الطائف، وكان الاعتداء على البطريرك في بكركي ثم كانت حرب الإلغاء تحت عنوان “توحيد البندقية”. ولم يغادر عون بعبدا إلا بموجب عملية عسكرية نفّذها الجيش السوري في 13 تشرين الأول/أكتوبر 1990 حيث انتقل إلى السفارة الفرنسية ومنها إلى باريس.

والمفارقة أن تدمير بيروت اليوم نتيجة الانفجار الزلزال في مرفأ بيروت، تمّ في عهد الرئيس عون الذي حقّق حلمه القديم في رئاسة الجمهورية. وأن هذا الانفجار الذي دمّر العاصمة بيروت بشكل عام أصاب في الصميم الأحياء المسيحية في الأشرفية والرميل والصيفي والمدوّر، فسقط أكبر عدد من الضحايا وتهدّمت تلك الأحياء بشكل غير مسبوق بشكل لم تشهده طيلة سنوات الحرب، في وقت كان “التيار الوطني الحر” الذي ترأسه عون وثم صهره جبران باسيل يرفع شعار الدفاع عن حقوق المسيحيين. ويلاحظ قسم كبير من المسيحيين أن معظم الشعارات التي رفعها عون وتياره انقلبت رأساً على عقب، فالدويلة التي رفض إقامتها عام 1990 باتت أقوى من الدولة في عهده نتيجة تفاهم مار مخايل الذي وقّعه مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في 6 شباط/فبراير 2006 قبل انتخابه رئيساً. وعودة المسيحيين إلى إدارات الدولة خلُصت إلى تعيين مناصري التيار العوني بمحاصصة ومحسوبية وإقصاء الباقين، والعمل على تشجيع المغتربين اللبنانيين وخصوصاً المسيحيين الذين هاجروا في الأعوام الماضية للعودة إلى لبنان بدل توطين النازحين السوريين انتهى بتشريد وتهجير من تبقّى من مسيحيين في الداخل اللبناني وبزحمة أمام السفارات الأجنبية طلباً للهجرة بعد فقدان الأمل بالحكم في لبنان.

هل هذه لعنة وطن كما سبق وكتب كريم بقرادوني؟

قد تكون “لعنة عهد” حسب رأي البعض أو “نحس للبلد” كما يقول النائب مروان حمادة. وإذا كانت حرب التحرير عام 1989 أسفرت عن تعريب الحل اللبناني بمباركة دولية من خلال جولات الموفد العربي الأخضر الابراهيمي وإقرار اتفاق الطائف، فإن الانفجار المدمّر في بيروت والشكوك حول وضع حزب الله يده على مرفأ المدينة واستخدام أحد عنابره لتخزين أسلحة، قد يقود إلى تدويل الأزمة اللبنانية بعد انكشاف الحقائق، كما حصل بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005 وهو خيار بات تتمناه أغلبية الشعب اللبناني باستثناء حزب الله بهدف توفير مظلّة أمان للبلد ومنعه من الانهيار وتحوّل لبنان إلى دولة فاشلة.