//Put this in the section

ماكرون دفَنَ السلطة بالحياة… “يا محلى بهدلة” لودريان!

أن يسمع ويرى أي رئيس دولة في العالم كيف قوبل رئيس دولة أخرى في شوارع عاصمته بالأحضان على وقع رفع مواطنيه الأيادي والهتافات طلباً للنجدة والخلاص من حكامهم، وأن يصل يأس بعض اللبنانيين إلى تفضيل عودة “الانتداب” على أن يبقوا تحت سطوة سلطتهم القائمة، فتلك ليست نهاية العالم بل هي حتماً نهاية العهد العوني وبئس المصير… بالطبع سيظل ثنائي ميشال عون – حسان دياب على مكابرته يتعامل مع الوقائع بانفصام عن الواقع ولن يحيد أي منهما قيد أنملة عن أوهامه في لعب دور البطولة على خشبة مسرحية الإنقاذ والإصلاح، لكنّ الأكيد أنّ هذه المسرحية انفض الجمهور من حولها ولم يعد أبطالها أكثر من مجرد “كومبارس” ركيك الأداء في أعين الداخل والخارج، وليس أدلّ على ذلك من مشهد احتقار الطبقة الحاكمة الذي صبغ اليوم الفرنسي الطويل أمس، سواءً على ألسنة الحشود اللبنانية الشعبية التي تجمهرت حول الرئيس إيمانويل ماكرون في شوارع بيروت، أو على لسان ماكرون نفسه الذي أكد أنه لولا “اللياقات” الديبلوماسية لما كان التقى المسؤولين اللبنانيين، جازماً في المقابل بأنّ قرشاً واحداً من المساعدات لن يصل إلى “نظام مكبّل بالفساد المنظّم ولم يعد يحظى بثقة شعبه”… كلام لا شكّ في أنه أجهز على السلطة الحاكمة ودفنها في الحياة، ولسان حسان دياب في سرّه يقول بعد “بهدلة” ماكرون: “يا محلى بهدلة لودريان”.

فعلى هامش مؤتمرصحافي في “قصر الصنوبر”، جاء بكثير من الحنكة والتهكم والذكاء، رد الرئيس الفرنسي على ما قاله دياب عن نقص في المعلومات لدى وزير خارجيته جان إيف لودريان من خلال إشارته إلى أن اللبنانيين الذين التقاهم في الشارع هم كذلك على ما يبدو يعانون من “نقص في المعلومات عن الإصلاحات” التي يدعي رئيس الحكومة إنجازها… أما في جوهر ما حمله ماكرون خلال زيارته الخاطفة لبيروت، فثمة مؤشرات وأبعاد تؤكد أنّ “ما قبل 4 آب لن يكون كما قبله” وفق تعبير الرئيس الفرنسي، بحيث قد تتجاوز هذه الأبعاد مستوى حث السلطة اللبنانية على إنجاز الإصلاحات الجذرية المنتظرة منها لتبلغ حدّ التلويح غير المباشر بعصا تدويل الأزمة اللبنانية أمام مسؤولي الطبقة الحاكمة إن هم لم يتحركوا لإبرام “عقد سياسي جديد” يتيح المسارعة ذاتياً إلى إجراء الإصلاحات وإنقاذ اللبنانيين وانتشالهم من أزمتهم الخانقة اقتصادياً ومالياً واجتماعياً وصولاً إلى تعريضهم للقتل والتشريد نتيجة الانفجار الذي زلزل عاصمتهم.




وعلى هذا الأساس، لاقى مطلب تشكيل “لجنة تحقيق دولية” بانفجار مرفأ بيروت، والذي تقاطع حول المناداة به كل من “المستقبل” و”القوات” و”الاشتراكي”، بوادر تأييد دولي عبّر عنه الرئيس الفرنسي بصراحة أمس، ما قد يشي بإمكانية تدحرج كرة التبني لهذا المطلب لتبلغ أروقة مجلس الأمن تحت وطأة الشكوك المتزايدة حول مسببات الانفجار الكيماوي الذي حصل في العنبر رقم 12، بغية ضمان تحديد المسؤوليات بشكل شفاف وتبيان حقيقة الجهة التي تتحمل مسؤولية تخزين أكثر من 2700 طن من مادة “نيترات الأمونيوم” في المرفأ والكشف عن “الصاعق” الذي أطلق الشرارة لتفجيرها، وذلك انطلاقاً من انعدام الثقة داخلياً وخارجياً بلجنة التحقيق التي شكلتها حكومة دياب وبكل إجراءاتها الخلبية، من منع السفر والإقامة الجبرية والتوقيف على ذمة التحقيق والحجز على حسابات مصرفية، والتي لا شك في كونها ستنتهي إلى تجهيل المرتكبين الرئيسيين وجعل صغار الموظفين الإداريين في المرفأ “كبش فداء” لرعاتهم في السلطة يفتدونهم ويرفعون عنهم مسؤولية التعامي عن تقارير التحذير الرسمية من مغبة الاستمرار في إيواء قنبلة كيماوية موقوتة في وسط بيروت من دون أن يبادر لا رئيس الجمهورية ولا رئيس الحكومة ولا الوزراء المعنيون إلى اتخاذ أي إجراء استباقي يحول دون انفجارها.

أما في شق المساعدات التي حرص الرئيس الفرنسي على التوكيد تكراراً ومراراً خلال جولاته وتصريحاته أمس على أنها ستكون مخصصة للشعب اللبناني وللمؤسسات الإستشفائية والإنسانية والإغاثية المعنية مباشرةً، دون المرور بأي من قنوات السلطة اللبنانية الفاقدة للأهلية والثقة، فمن المرتقب بحسب المعلومات الديبلوماسية أن تتبلور هذه المبادرة على شكل مؤتمر دعم دولي ترعاه فرنسا بالتعاون مع الأمم المتحدة وتتولى من خلاله الدولة الفرنسية تأطير وجمع المساعدات الأوروبية والأميركية والدولية والعربية للبنانيين، وسط ترجيح مصادر أوروبية مطلعة أن توجه باريس الدعوة إلى انعقاد المؤتمر خلال الأيام القليلة المقبلة، على أن يتم عقده عبر دائرة فيديو مغلقة الأحد المقبل.

لكن إذا كانت عبارة “لن نترك لبنان أبداً” التي شدد عليها ماكرون منذ لحظة وصوله إلى بيروت وعلى امتداد محطات زيارته اللبنانية، جاءت لتعكس ارتياحاً في نفوس اللبنانيين التواقين إلى طوق نجاة خارجي ينتشلهم من مستنقع عزلتهم الداخلية القاتلة، أتت العبارة نفسها على لسان القائد العام للحرس الثوري الإيراني اللواء حسين سلامي لتثير الهواجس والقلق لدى بعض اللبنانيين خوفاً من تداعياتها الصدامية المرتقبة على ساحتهم الداخلية، لا سيما وأنّ قول سلامي “لن نترك لبنان أبداً” وإن كان أتى في معرض إبداء الاستعداد الإيراني لمساندة لبنان، غير أنه ترافق مع حملة ممنهجة استنفرت فيها طهران جهازها الإعلامي للتجييش ضد زيارة الرئيس الفرنسي إلى بيروت.

نداء الوطن