//Put this in the section
حازم الأمين

بيروت: لم ينج أحدٌ ولم يستقل أحدٌ – حازم الأمين – الحرة

ربما علينا أن ننتظر انفجارا نوويا في بيروت لكي يُقْدم ميشال عون ونبيه بري وحسان دياب على الاستقالة! لكن من غير المؤكد أيضا أن يفعلوا ذلك، فالكارثة التي حلت ببيروت ليست أقل من تفجير نووي، وهي لم تفضِ إلى أن يقدم مسؤول لبناني واحد على تقديم استقالته.

التفجير الهائل الذي شهدته بيروت هو تتويج لمسارٍ كانت بدأته كل الطبقة السياسية الفاسدة والفاشلة والمرتهنة منذ سنوات طويلة. انفجار ناجم عن فسادها وعن ارتهانها وعن رثاثتها، وعلى رغم ذلك استيقظ الرؤساء في الصباح وباشروا أعمالهم المعتادة، والمتمثلة في نهب ما تبقى من ركام في المدينة. التفجير هو جزء من مسار تراجيدي. خسر اللبنانيون اقتصادهم، وسطت المصارف على ودائعهم، وتهاوت أعمالهم وأرزاقهم، وجاء التفجير ليختتم المشهد وليتوج المأساة.




لن يغادر الرؤساء الفاسدون من تلقائهم. لن يُخلوا القصور. ثمة من يحميهم فيها

قنبلة هائلة مزروعة في مرفأ مدني حيوي يعتاش عليه لبنان! الفكرة لوحدها تفضي بنا إلى فضيحة، لكن الرؤساء ثلاثتهم لم يشعروا بها. فالسنوات التي أمضتها السلطة خارج المحاسبة وخارج الشعور بأدنى مسؤولية تولت إماتة الإحساس. وها هم يقصدون مسرح الجريمة، ويتجولون في أنحائه الواسعة ووجوههم تفيض حياة وحيوية. أكثر من مئة قتيل ونحو خمسة آلاف جريح، وآلاف المباني المدمرة والأسر المشردة، والرؤساء مستمرون في العيش في متاهات قصورهم!

لا بأس، لقد استنفدنا مخزوننا من الشتائم وعلينا أن نباشر البحث عن وسيلة أخرى نعالج عبرها منسوب الغضب. لن يغادر الرؤساء الفاسدون من تلقائهم. لن يُخلوا القصور. ثمة من يحميهم فيها. وحماة القصور يقيمون بيننا، وبعضهم تدمرت منازلهم جراء الانفجار. ثمة معادلة شيطانية تحصن هذه السلطة على رغم ما ارتكبته أمام أنظار العالم كله.

هل ما زال لميشال عون مريدين بيننا؟ الأرجح أن له بيننا مريدين. عددهم صار أقل وقناعتهم به يشوبها هذيان ووهن، ومنازلهم وأعمالهم تصدعت بفعل الفساد وبفعل الموت الذي خلفه الفساد، لكن علينا أن نعترف أن له بيننا مريدين. الأمر نفسه ينسحب على نبيه بري، الرجل الذي صار له أكثر من ثلاثين سنة رئيسا للمجلس النيابي، والشريك الثابت في ثروة البلد وفي سلطته ودولته. أما حسان دياب، القادم إلى السلطة من لا شيء، فهو يطمح إلى أن يباشر الشراكة حتى لو على بحر من الدماء.

العالم بدوره قبلهم بصفتهم ممثلينا، على رغم صفاقة ما يرتكبون. الانفجار الهائل أيها العالم قد يمتد إليك. من يضمن ألا تخرج النيران إلى خلف الحدود. هذا بلد فيه مرافئ وبحر ممتد إلى شواطئ أوروبا، وحدود لا تحمي من وهج الانفجار. ولبنان إذ استكان لهذه السلطة الفاسدة، فهو لا يستقيم جارا أو شريكا أو حلقة في منظومة علاقات دولية طبيعة. السلطة فيه يمكن أن تراوغ في كل شيء. المصارف يمكن أن تتحول إلى أجهزة تفلت من الرقابة ومن الأنظمة. الأرجح أن خزناتها تحوي ذهب الاستبداد والفساد في كل المنطقة. يجب أن يبدأ العالم بالشك وبالتفكير بنفسه. هذه السلطة كانت تضع قنبلة بحجم 2750 طنا من المواد المتفجرة في مرفأ مدني في قلب عاصمتها! ماذا بعد ذلك؟ أي افتراض لما يمكن أن تقوم به لن يكون مبالغة، وأي توقع لحجم فسادها سيكون أقل من الواقع وأقل من الحقيقة.

لقد جرى حرق روح المدينة، والتفجير فعل ما لم تفعله سنوات طويلة من الحروب التي شهدتها بيروت

هذه سلطة يخرج وزير فيها أمضى في وزارة الكهرباء هو وأعوانه نحو 15 عاما، تلاشت خلالها الطاقة الكهربائية إلى أدنى مستوياتها، ليقول إنه أنعم على اللبنانيين بالكهرباء. هذه مرحلة ما بعد الوقاحة، وما بعد احتقار ذكاء الناس. وهذا الرجل يطمح لأن يكون رئيسنا المقبل، والأرجح أنه يملك حظوظا كبيرة لكي يحقق طموحه. وهذا الرجل هو من يحمي المسؤول المباشر عن كارثة مرفأ بيروت!

حجم الخسارة لا يمكن تقديره. لقد جرى حرق روح المدينة، والتفجير فعل ما لم تفعله سنوات طويلة من الحروب التي شهدتها بيروت. فالهواء الحارق الذي دفع به الانفجار إلى مسافات هائلة، كان أقوى من تلك القذائف الصغيرة التي كان المتحاربون يتبادلون قصفها على بعضهم بعضا. مساحات كبيرة بقيت بمنأى عن دوي القذائف في حينها. انفجار اليوم لم يبقِ على شيء خارج منطقة الحريق. منازل كل من نعرفهم في بيروت تدمرت. عشرات آلاف من السكان تضرجوا بدمائها في ثوانٍ قليلة. لم ينج أحدٌ ولم يستقل أحد!